وافق صندوق النقد الدولي على المراجعتين الرئيسيتين لبرنامج التمويل البالغ 8 مليارات دولار؛ وهي أنباء ستطرب لها مسامع مجتمع الأعمال. والأهم من ذلك، أن نبرة بيان الصندوق، الذي صدر في الساعات الأولى من هذا اليوم ونُسب إلى رئيسة البعثة إيفانا فلادكوفا هولار، تختلف اختلافا جذريا عن البيان الذي صاحب المراجعة السابقة للبرنامج، التي وافق عليها المجلس التنفيذي للصندوق قبل عام واحد بالضبط في مثل هذا الأسبوع.

الخبر الأبرز: توصلت الحكومة وخبراء صندوق النقد الدولي إلى اتفاق حول المراجعتين الخامسة والسادسة الحاسمتين في إطار ما يعرف بتسهيل الصندوق الممدد. وتوصلوا أيضا إلى اتفاق بشأن المراجعة الأولى في إطار حزمة تمويل موازية تعرف بتسهيل الصلابة والاستدامة. وينتظر هذا الاتفاق على مستوى الخبراء الآن موافقة المجلس التنفيذي للصندوق.

النتيجة المتوقعة: تدفق نحو 3.8 مليار دولار إلى خزينة الدولة عندما يوافق المجلس التنفيذي للصندوق على المراجعات في يناير المقبل (لم يتحدد الموعد على جدول اجتماعات المجلس بعد)، بما في ذلك نحو 2.5 مليار دولار من المراجعتين الخامسة والسادسة لتسهيل الصندوق الممدد، و 1.3 مليار دولار أخرى من المراجعة الأولى لتسهيل الصلابة والاستدامة. ومن شأن ذلك أن يرفع إجمالي المدفوعات في إطار تسهيل الصندوق الممدد حتى الآن إلى نحو 5.7 مليار دولار.

ما أهمية ذلك: يقدم صندوق النقد الدولي جزءا كبيرا من التمويل مقدما، مما يمنح مجلس الوزراء هامش أمان جيد في السيولة في بداية عام 2026، ويخبر المجموعة الوزارية الاقتصادية فعليا أنها لن تضطر للكفاح من أجل الحصول على التمويل، شريطة أن تواصل مسار الإصلاحات.

يستهل البيان بجملة كان من المستحيل تخيلها قبل 18 شهرا: “حققت جهود الاستقرار مكاسب مهمة، ويظهر الاقتصاد المصري علامات على نمو قوي”. فلا توجد عبارات تحوط، ولا كلمة “لكن” أو “برغم ذلك” تتربص في الجملة التالية. يقول الصندوق — بعبارة صريحة — إن استراتيجية مجلس الوزراء تؤتي ثمارها.

المؤشرات الاقتصادية القوية تؤكد ذلك: تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.4% في العام المالي 2024-2025، صعودا من 2.4% في العام السابق، مع وصول نمو الربع الأول من العام المالي الحالي إلى 5.3%، وفقا للبيان. وتقلص عجز الحساب الجاري بفضل قوة تحويلات المصريين، وارتفاع عائدات السياحة، وما شهدناه من نمو جيد للصادرات غير النفطية. كذلك ارتفعت حيازات غير المقيمين من أذون الخزانة المصرية إلى نحو 30 مليار دولار، ووصل الاحتياطي الأجنبي إلى 56.9 مليار دولار، وهو رقم كان يبدو بعيد المنال نسبيا قبل وقت ليس ببعيد.

حتى الانتقادات جاءت ألطف، إذ أشار الصندوق إلى المجالات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من العمل. تقول هولار إن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال “متواضعة بالمعايير الدولية” عند 12.2%، وأن انحسار التضخم “لم يُرسَخ بعد بقوة” (قد يعني هذا عدم خفض الفائدة يوم الخميس)، وأن البنوك المملوكة للدولة تتطلب “ممارسات حوكمة قوية ومستمرة”، كما يحتاج مجلس الوزراء إلى “تسريع” برنامج الطروحات الحكومية.

كذلك أشار صندوق النقد الدولي إلى الهيئة المصرية العامة للبترول على أنها مصدر للمخاطر المالية، لكن الإطار العام لحديث الصندوق عن مصر قد تغير. فقد ولّت التحذيرات العاجلة، وحل محلها بنود في قائمة مهام لبلد يسير بشكل عام على المسار الصحيح.

أشار الصندوق إلى أن أعضاء مجتمع الأعمال الذين استشارهم الصندوق خلال وجوده في القاهرة أثنوا على تقدم الحكومة في الإصلاحات الرئيسية، وكتب أن “المشاركين من القطاع الخاص أقروا بالنتائج التي تحققت بالفعل” فيما يتعلق بـ “تيسير التجارة” والإصلاح الضريبي. ويشير البيان أيضا إلى أننا نظهر علامات على الانضباط المالي (أي التوقف عن الإنفاق المفرط)، ويشير مباشرة إلى “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية”، وهو الإطار الجديد لمجلس الوزراء الذي يضع القطاع الخاص في مقعد قيادة الاقتصاد.

تحول المشاعر هو الخبر الأهم هنا

لماذا يعد هذا مهما: من أجل أن نضع الأمور في نصابها على مستوى اختلاف هذا البيان، علينا قراءته جنبا إلى جنب مع البيانات السابقة للصندوق.

لم يعد الأمر يتعلق بأزمة — أو الخوف من التراجع. عندما توصل صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الأولى والثانية في مارس 2024، كان البيان مكتوبا بلغة “حالة الأزمة”. إذ بدأ بـ “تحديات اقتصادية كلية كبيرة أصبحت أكثر تعقيدا في إدارتها”، وأشار إلى “زلات في السياسات” تحتاج إلى تصحيح، وأكد على البيئة “الصعبة” في كل منعطف.

وبحلول يونيو 2024 والمراجعة الثالثة، خفت حدة النبرة قليلا، لكنها ظلت مصحوبة بالكثير من التحوطات. أقر الصندوق بأن “الجهود بدأت تؤدي إلى تحسن في التوقعات”. لكنه تحول فورا إلى “المخاطر السلبية التي تحيط بالتوقعات الاقتصادية” ودعا إلى “تسريع” الإصلاحات.

وقبل عام من هذا الأسبوع، حملت المراجعة الرابعة مزيدا من نفس النغمة: “ظروف خارجية صعبة”، و”بيئة اقتصادية محلية مليئة بالتحديات”، ودعوات متكررة لـ “مزيد من الجهود”، و”مزيد من الإصلاحات”، و”جهود أكثر حسما” بشأن التخارج من أصول الدولة وتحقيق تكافؤ الفرص.

وبعد عام، لا تزال التحذيرات موجودة، لكنها لم تعد تتصدر المشهد. إذ يفتتح الصندوق بيانه الآن بما يحقق نجاحا، وفي الوقت ذاته يدفن المخاوف في عمق النص. وبالنسبة لوثيقة سيقرأها المستثمرون ووكالات التصنيف والمجتمع الدبلوماسي بعناية، فمن الأهمية بمكان الاعتناء بالخيارات الهيكلية في نص البيان.

ما الذي يقود هذا التحول؟ ثلاثة أمور تبرز بوضوح:

#1- المؤشرات الكلية تتحرك في الاتجاه الصحيح. إذ يتسارع النمو، وينخضف التضخم، فضلا عن تحسن ميزان المدفوعات بشكل جيد رغم الرياح المعاكسة التي شهدتها قناة السويس (وحتى في المجرى الملاحي الاستراتيجي للبلاد، تتجلى علامات على تغير الأوضاع)، وصارت الاحتياطيات أيضا عند مستويات مريحة. يستجيب خبراء صندوق النقد الدولي للبيانات، ولا يخففون لهجتهم لأسباب دبلوماسية.

#2- أُبلغ مسؤولو الصندوق بأن بنك القاهرة في طريقه للطرح العام في الربع الثاني من عام 2026 بقيادة الرئيس التنفيذي حسين أباظة، وهو ما ذكرته إنتربرايز في الأسبوع الماضي. يعد أباظة أحد المديرين التنفيذيين الأكثر ثقة لدى المستثمرين العالميين في القطاع الخاص بفضل سنوات إدارته لبرنامج علاقات المستثمرين في البنك التجاري الدولي، حيث شغل منصب الرئيس التنفيذي مؤخرا. ويُعتقد أن هذا ساعد في تغيير نبرة صندوق النقد الدولي بشأن الطروحات الحكومية: لطالما كانت البصمة الاقتصادية للدولة والوتيرة البطيئة للتخارج من الأصول نقاطا شائكة في العلاقة على مدى سنوات. ويبدو أن موظفي الصندوق يعتقدون الآن أن الحكومة جادة في المضي قدما في هذه المساعي.

#3- التوقيت. سينتهي برنامج صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2026. ومع انتهاء المراجعتين الخامسة والسادسة الآن، ندخل المرحلة الأخيرة. ويبدو الصندوق واثقا من أن خط النهاية يلوح في الأفق. لم يعد هذا برنامجا معرضا لخطر الانحراف عن المسار، بل برنامجا يحقق نتائج.

ماذا بعد؟

لا يزال يتعين على البلاد اجتياز مراجعتين أخريين. من المقرر أن تكون السابعة في مارس 2026، وقد تتيح صرف 1.25 مليار دولار أخرى، فيما ستكون المراجعة الثامنة والأخيرة في نوفمبر 2026، ومعها ستطرح 1.25 مليار دولار إضافية على الطاولة.

لماذا نوفمبر؟ كان من المقرر في الأساس إجراء المراجعة النهائية في سبتمبر 2026، لكنها أُرجئت بطلب من الحكومة للسماح بمزيد من الوقت لتنفيذ المجموعة النهائية من المعايير الهيكلية. ويشير ذلك إلى أن الجانبين يريدان إنهاء هذا البرنامج على الوجه الأمثل، وأن الصندوق على استعداد لمنحنا المساحة للقيام بذلك. وهو أمر كان من شبه المستحيل تخيله قبل عام.

في السياق: يُعد تسهيل الصندوق الممدد أداة الإقراض الرئيسية لصندوق النقد الدولي للبلدان التي تواجه مشكلات في ميزان المدفوعات على المدى المتوسط، وهو مصمم للحالات التي تتطلب إصلاحات هيكلية عميقة بدلا من دعم السيولة قصير الأجل. تمت الموافقة على التسهيل الحالي البالغ 8 مليارات دولار في ديسمبر 2022 بقيمة 3 مليارات دولار، ثم تم توسيعه في مارس 2024 بعد أن أدت الحرب الإسرائيلية على غزة وهجمات الحوثيين على سفن الشحن التي تعبر البحر الأحمر إلى تعقيد الأمور. أما تسهيل الصلابة والاستدامة، فهو أداة موازية أحدث تولي تركيزا خاصا إلى الإصلاحات المتعلقة بالمناخ، ويمكن أن يوفر ما يصل إلى 1.3 مليار دولار إضافية لدعم جهود خفض الكربون والتمويل المناخي. ويعمل البرنامجان بالتوازي، إذ تعتمد مراجعات تسهيل الصلابة والاستدامة على تحقيق معالم برنامج تسهيل الصندوق الممدد.