يتخذ البنك المركزي المصري خطوة استباقية لمواجهة احتمالية حدوث فقاعة ائتمان استهلاكي عبر تشديد الخناق على كيفية تمويل البنوك للمؤسسات المالية غير المصرفية، وفقا لما ذكرته مصادر في القطاع لإنتربرايز. وأصدر المركزي تعليمات شفهية للبنوك بضرورة الحصول على موافقة مسبقة قبل المشاركة في أي عملية توريق، بحسب المصدر.

ما أهمية ذلك: حتى اللحظة الراهنة، كانت البنوك هي المشتري الموثوق والضخم لسندات التوريق، التي تعد شريان الحياة لقطاع التمويل الاستهلاكي. ومن خلال اشتراط الموافقة المسبقة، يضع البنك المركزي فعليا آلية إيقاف وقائية للتحكم في تدفق رؤوس الأموال من ودائع البنوك إلى شركات التمويل الاستهلاكي. شهد التمويل الاستهلاكي طفرة هائلة في الإقبال، وسط أزمة في القدرة الشرائية فاقمها التضخم المتسارع خلال السنوات الأخيرة.

الصورة الأكبر

ليس محض تعديل تنظيمي بمعزل عن سياق أوسع: يبدو أن هذه الخطوة تمثل النصف الثاني من جهد منسق تضطلع به الجهات الرقابية لتهدئة سوق الإقراض الاستهلاكي المحموم، في خضم التوقعات بأن يستأنف المركزي دورة التيسير النقدي في 2026. ففي أكتوبر، مددت الهيئة العامة للرقابة المالية وقف إصدار التراخيص الجديدة لشركات التمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر لعام آخر، مما أدى فعليا إلى تجميد هيكل السوق. والآن، يقيد البنك المركزي تمويل اللاعبين الحاليين.

ما هو الهدف من وراء ذلك؟ الهبوط الآمن. "يتصرف البنك المركزي استباقيا.. وتحديدا بالنظر إلى أن التضخم المرتفع ربما يؤدي إلى قفزة في معدلات تعثر المستهلكين"، حسبما صرح به الرئيس السابق لبنك التنمية الصناعية ماجد فهمي لإنتربرايز. ومن خلال تقييد التوريق، يجبر المركزي شركات إقراض المستهلكين على إبطاء وتيرة إصدار القروض الجديدة، مما يمنع تشكل فقاعة بالتزامن مع الانخفاض المرتقب في تكاليف الاقتراض.

بعد سنوات من توظيف السيولة في أدوات الدين الحكومية ذات العوائد المرتفعة، تسعى البنوك الآن لحماية هوامش ربحها مع تراجع أسعار الفائدة، ومن المؤكد أن البدائل ذات العائد الأعلى من الإقراض التقليدي باتت مطروحة بقوة على الطاولة، حسبما صرح به الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح لإنتربرايز. أضاف أبو الفتوح: "تتمتع سندات التوريق بجاذبية خاصة نظرا لعوائدها المرتفعة؛ وهذا بالضبط مكمن القلق. فالبنوك قد تندفع أحيانا نحو الانكشاف على أدوات الدين المعززة ائتمانيا ذات العائد المرتفع دون إجراء تقييم كاف للمخاطر. لذا يريد البنك المركزي ضمان أن تكون كل عملية توريق مدعومة بأصول قوية ومضمونة، وليست مجرد أوراق مالية تحمل سعر فائدة جذابا".

نشاط التوريق يسجل قفزات هائلة

تأتي هذه الخطوة بعد انفجار في نشاط التوريق هذا العام. قفزت إصدارات سندات التوريق بنسبة 182.5% على أساس ربع سنوي لتصل إلى 17.8 مليار جنيه في الربع الثالث من عام 2025، وفقا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية (بي دي إف). وفي هذا الشهر وحده، كان هناك ما لا يقل عن ستة إصدارات توريق بقيمة إجمالية بلغت 7.9 مليار جنيه.

"يكمن الخطر يكمن في أن يتركز هذا النمو بشكل شبه كامل في القروض الاستهلاكية والتطوير العقاري؛ وهي القطاعات الأكثر حساسية للصدمات الاقتصادية وتآكل القوة الشرائية"، وفقا لأبو الفتوح. قفزت القروض الممنوحة لشركات التمويل الاستهلاكي بنسبة 58% على أساس سنوي لتصل إلى 74.9 مليار جنيه في الأشهر العشرة الأولى من عام 2025. كذلك تخلق الطفرة في الإقراض الاستهلاكي مخاطر للقطاع المصرفي، بحسب فهمي، الذي نوه بأن النمو غير المنضبط في ظل المناخ التضخمي الحالي يزيد مخاطر التعثر.

إذا كنت تدير شركة تمويل استهلاكي، فإن تكلفة الأموال أصبحت للتو تحديا مؤرقا. يعتمد نموذج العمل الذي تتبعه عديد من المؤسسات المالية غير المصرفية على إصدار القروض ثم توريقها بسرعة (أي بيعها) لتحرير رأس المال للإقراض مرة أخرى. فإذا حُيدت البنوك — المشترين الرئيسيين لسندات التوريق — بسبب الروتين، فإن هذه الدورة تتباطأ. ويحذر فهمي من أن شركات التمويل الاستهلاكي قد تضطر إلى تقليص عمليات البيع بالتقسيط.

هل هناك ثغرة صغيرة؟ ربما تظل شركات التمويل متناهي الصغر التي تصدر سندات من خلال شركات توريق متخصصة — بدلا من التعامل المباشر مع البنوك — محمية في ظل هذه التطورات، مع أن النطاق الكامل للتعليمات لا يزال غير واضح، حسبما قال الرئيس التنفيذي لشركة "سندة" للتمويل متناهي الصغر أحمد الخطيب.

السياق العالمي: مع أنها خطوة لا يحبذها المشغلون، فهي تجعل البلاد متماشية مع المعايير العالمية. تفرض أسواق مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا قواعد إخطار مسبق مماثلة على البنوك لمراقبة نقل المخاطر، حسبما قال رئيس قطاع مخاطر الائتمان بالبنك الزراعي المصري هاني حافظ. ويضيف أن القرار سيعزز الشفافية، ويضمن التوافق مع استراتيجيات إدارة المخاطر.

وفي غضون ذلك: صارت فوائد التمويل الاستهلاكي معفاة الآن (في الغالب) من ضريبة القيمة المضافة

وافقت مصلحة الضرائب المصرية على إعفاء فوائد التمويل الاستهلاكي من ضريبة القيمة المضافة، وفقا لمنشور صادر عن المصلحة اطلعت عليه إنتربرايز. ينطبق الإعفاء فقط على الشركات المرخصة من الهيئة العامة للرقابة المالية التي تفصل قيمة الفائدة عن قيمة السلعة أو الخدمة في فواتيرها. وتوجد حاليا 46 شركة تنطبق عليها هذه الشروط.

لماذا يعد هذا مهما: يزيل القرار المخاطر الضريبية التي كانت تهدد هوامش ربح شركات التمويل الاستهلاكي، ويمنع زيادة قدرها 14% في تكلفة الائتمان على المستهلكين. كذلك سيساعد هذا القرار الشركات ومصلحة الضرائب على إغلاق العديد من الملفات الضريبية المتنازع عليها، إذ يسمح الآن للشركات بإلغاء المخصصات والاحتياطيات المحاسبية التي اضطرت لتجنيبها للتحوط ضد هذه المخاطر الضريبية، مما يعزز المراكز المالية للقطاع، وفقا لما صرح به رئيس الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي سعيد زعتر لإنتربرايز.