يعزز ما نشهده من تراجع أكبر من المتوقع في معدل التضخم السنوي لشهر نوفمبر من التوقعات التي تشير إلى أن لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي ستتخذ قرارا بإجراء خفض آخر لأسعار الفائدة في عام 2025، وذلك عندما تجتمع يوم الخميس المقبل في اجتماعها الأخير لهذا العام. فقد أبقى البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه السابع لهذا العام الذي عُقد في نوفمبر، ليعلق بذلك دورة التيسير النقدي التي شرع فيها في أبريل بعد توقف قصير في يوليو.
الإجماع: يتوقع 12 من أصل 14 خبيرا اقتصاديا ومصرفيا تحدثوا إلى إنتربرايز خفضا في أسعار الفائدة بمقدار يتراوح بين 100 و 200 نقطة أساس في الاجتماع المقبل، تضاف إلى 525 نقطة أساس خفضت على مدى هذا العام. ويرجح غالبية المشاركين في الاستطلاع أن يقرر البنك المركزي خفضا بمقدار 100 نقطة أساس. ويبلغ سعر عائد الإيداع لليلة واحدة حاليا 21.00%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة 22.00%، وسعر العملية الرئيسية والخصم 21.50%.
التضخم تحت كامل السيطرة
نقترب يوما بعد يوم من بداية عام 2026 مع اقتراب التضخم من مستهدف البنك المركزي البالغ 7% (±2%) بنهاية عام 2026. تراجع التضخم السنوي في المدن المصرية بمقدار 0.2 نقطة مئوية في نوفمبر، على خلاف التوقعات ليغلق الشهر، عند 12.3%. وعوض انخفاض أسعار المواد الغذائية والمشروبات — التي تراجعت بنسبة 2.6% على أساس شهري — بشكل غير متوقع الزيادة في أسعار الوقود خلال نفس الشهر. قدمت تلك “المفاجأة الإيجابية” إشارة دالة على أن تأثير ارتفاع أسعار الوقود على التضخم العام كان محدودا، مما يدعم قدرة البنك المركزي على المضي قدما في خفض أسعار الفائدة، وفق ما قاله محلل الاقتصاد الكلي لدى إي إف جي هيرميس محمد أبو باشا في تصريحات لإنتربرايز.
ضغوط الطلب الموسمية أصبحت خلفنا بالفعل، إذ جرى تأمين الجزء الأكبر من المشتريات والواردات الخاصة بشهر رمضان منذ شهر، كذلك وُضعت اللمسات الختامية على جميع الترتيبات اللوجستية والمالية لإغلاق حسابات نهاية العام، وفق ما صرحت به نائبة رئيس بنك مصر سابقا سهر الدماطي لإنتربرايز. وأضافت الدماطي أن الانتهاء المبكر من ضغوط الطلب المرتبطة بشهر رمضان، جنبا إلى جنب مع ارتفاع الجنيه المصري بنسبة 7% مقابل الدولار منذ بداية العام، يوفر للمركزي مرونة أكبر لخفض أسعار الفائدة بما يتراوح بين نقطة أو نقطتين مئويتين هذا الأسبوع.
المزيد من خفض الفائدة.. أخبار سارة للمصنعين
تعني أسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة — التي تساوي الفائدة الاسمية مطروحا منها معدل التضخم — أن المركزي لديه مساحة كبيرة للمناورة عبر خفض الفائدة دون فقدان السيطرة على استقرار الأسعار، وفقا لكثير من المحللين. ويقف هامش أسعار الفائدة الحقيقية عند نحو 9%، مما “يسمح للبنك المركزي بتفضيل الاستثمار والنمو من خلال التيسير النقدي مع الحفاظ على موقف متشدد بما يكفي لمكافحة التضخم”، وفقا لإسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي لدى ثاندر لتداول الأوراق المالية. وبحسب الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح، فإن هذا الهامش يخلق أيضا مساحة لخفض الفائدة لدعم النشاط الاقتصادي عن طريق تقليل تكاليف الاقتراض لشركات القطاع الخاص، مع تقليل عبء الدين الحكومي.
ليست عصا سحرية، لكنها خطوة مهمة: لا تكون الآثار الكاملة للتخفيضات المتكررة لأسعار الفائدة فورية بل تظهر بمرور الوقت مع استفادة الشركات من انخفاض تكاليف التمويل، وفق ما يوضح الخبير المصرفي محمد عبد العال. وأضاف أن هذا الانخفاض في العبء المالي على الإنتاج يسمح للشركات إما بأن تصبح أكثر تنافسية من خلال خفض الأسعار أو استيعاب بعض الزيادات في تكاليف الطاقة بدلا من تمريرها بالكامل للمستهلكين.
تجارة الفائدة
يعني انخفاض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة أن فارق العائد بين الجنيه والدولار لا يزال جذابا للمتعاملين في تجارة الفائدة حتى لو خفضت مصر أسعار الفائدة، وفقا لعبد العال. وحتى في حال خفض الأسعار، ستظل تجارة الفائدة في مصر جذابة لرأس المال العالمي، حسبما قالت محللة الاقتصاد الكلي لدى إتش سي للأوراق المالية هبة منير لإنتربرايز، وأشارت إلى أن أحدث أذون خزانة لأجل 12 شهرا (25.3%) تنطوي على سعر فائدة حقيقي إيجابي قدره 10.5% (بعد الضرائب)، مما يضمن قدرة البنك المركزي على خفض الفائدة لتحفيز الاقتصاد المحلي دون إثارة لهروب رؤوس الأموال. وتتوقع منير خفضا بمقدار 150 نقطة أساس هذا الأسبوع.
في المقابل، يرى أبو الفتوح أن خفض الفائدة بقوة قد يجعل تجارة الفائدة أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب. وقال: “إذا انخفض السعر الحقيقي بسرعة كبيرة ولم يعد يُنظر إليه على أنه كافٍ من قبل المستثمرين الدوليين، فقد يؤدي هذا إلى خروج الأموال الساخنة، مما يهدد استقرار الجنيه”.
نظرة مستقبلية لعام 2026
هل نشهد دورة قوية من التيسير النقدي في 2026؟ مع اقتراب التضخم من مستهدف البنك المركزي البالغ 7% (±2%) بحلول الربع الرابع من عام 2026، يتوقع المحللون تخفيضات أعمق على مدار الـ 12 شهرا المقبلة. ويختلف حجم التخفيضات المتوقعة في عام 2026 باختلاف المؤسسات، إذ يرى المحللون الذين تحدثوا إلى إنتربرايز تخفيضات تراكمية تتراوح بين 500-600 نقطة أساس، بل قد تصل إلى 800 نقطة أساس.
مزيج ضعف القوة الشرائية واستيعاب ضغط التعديلات المالية وصل إلى نقطة تحول. بدأت الأسعار في الانخفاض بالفعل، وفق ما نلاحظه بوصفنا مستهلكين، وسط ضعف القوة الشرائية، مما يعني أن الطلب لم يعد قادرا على استيعاب المزيد من زيادات الأسعار. فضلا عن أن السلع المحددة إداريا قد استوعبت هذه التعديلات إلى حد كبير”، حسبما قال رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس هاني جنينة.
هذا المستوى من الخفض من شأنه أن يساعد في “الحفاظ على أسعار فائدة حقيقية إيجابية في مصر قد تكون مبررة في غياب تقدم كبير في الإصلاحات المالية الإضافية، أو الطروحات الحكومية، أو الانتهاء من مراجعات صندوق النقد الدولي المعلقة، أو عدم إحراز تقدم على كافة هذه الجبهات أو بعضها”، وفقا للخبيرة الاقتصادية لدى دويتشه بنك سميرة كالا.
عوامل ستحدد وتيرة التيسير: قالت كالا إن تدابير الضبط المالي المخطط لها، بما في ذلك الزيادات المعلقة في أسعار الكهرباء والتبغ، واجتياز مراجعات صندوق النقد الدولي بشأن تقدمنا في الإصلاحات الهيكلية، ستحدد وتيرة وحجم التخفيضات في العام المقبل.
توقعات التضخم: من المتوقع على نطاق واسع أن يواصل التضخم مساره الهبوطي العام المقبل، إذ تتوقع “سي أي كابيتال” أن يصل إلى 9% بنهاية عام 2026. وترجح كابيتال إيكونوميكس أنه بينما قد نشهد بعض التقلبات على المدى القريب بسبب التغيرات الموسمية والأسعار المحددة إداريا، فإن الاتجاه طويل الأجل هو بلا شك في مسار هبوطي. وتضيف: “بالنظر إلى المستقبل، نعتقد أن معدل التضخم العام في مصر سيتأرجح حول المعدلات الحالية في ديسمبر وأوائل عام 2026، على أن يبدأ تراجع التضخم بحلول نهاية الربع الأول ليقترب التضخم من الحد الأعلى للنطاق المستهدف للبنك المركزي”.
في السياق: تلتهم خدمة الدين ما يقرب من نصف إجمالي المصروفات الحكومية، ونحو 80% من الإيرادات. ويوفر كل خفض في أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس ما يقرب من 70 مليار جنيه للموازنة العامة للدولة، وفقا لوزير المالية أحمد كجوك.