مشروب ذو حدين: في الأوقات الصعبة يقلص المستهلكون عاداتهم الشرائية المكلفة، إلا عادة واحدة فقط أثبتت مرونتها أمام التحديات والأزمات الاقتصادية: شراء وشرب القهوة. القهوة مشروب لطيف لا يستطيع كثيرون الاستغناء عنه، وهو ما يشكل طفرة أشبه بالسلاح ذي الحدين لرواد أعمال هذا القطاع في مصر: الطلب على هذا المشروب الساحر لا ينتهي، وتكلفة إدارة هذا العمل تحلق عاليا.

لماذا يستمر الطلب على القهوة؟ الطلب على القهوة غير مرن لأنها ببساطة واحدة من الأمور التي نفعلها لندلل أنفسنا، حسبما يوضح مؤسس مقهى 30 نورث عمرو الخازندار. نظريا، يستبعد المستهلك السلع الكمالية من ميزانيته خلال فترات التضخم المرتفع، لكنه سيظل يشتري السلع الفاخرة معقولة الثمن خلال فترات الركود. والقهوة بالنسبة للسواد الأعظم من المستهلكين رفاهية، قد تكون مكلفة نعم، ولكنها تشعرهم أن العالم لا يزال بخير. ربما ينخفض حجم مشتريات القهوة قليلا، إلا أن هذه العادة نفسها لا غنى عنها، بحسب الخازندار.

تحول كامل في سلوك جيل بأسره: تضاعف استهلاك الفرد من القهوة في مصر بين عامي 2017 و2021 ليصل إلى 70 ألف طن سنويا، بحسب ما قاله مؤسس مقهى براون نوز عمر عبد الله لإنتربرايز، مضيفا أن الجيل الشاب — الذي كان يميل إلى الشاي بطبيعة الحال — أصبح الأن يستهلك القهوة بمعدلات غير مسبوقة.

إن كان الطلب المتزايد هبة إلهية، فإن تكاليف التشغيل والإنتاج هي الكابوس المزعج بالنسبة للاعبي هذا القطاع. أصبحت التكلفة اللازمة ورأسمال المطلوب لافتتاح فرع جديد مرعبة للغاية، بحسب الخازندار. مع انخفاض قيمة الجنيه، ارتفعت تكلفة ماكينات القهوة المستوردة والمطاحن وكذلك مواد البناء بسرعة الصاروخ، وتضاعفت سعر المقهى ثلاث أو أربع أو خمس مرات، وفق الخازندار.

بمجرد بدء التشغيل، ينتقل الضغط إلى سلسلة التوريد. ارتفاع أسعار حبوب البن الأخضر وزيادة تكاليف الخدمات اللوجستية والشحن وتضخم تكاليف التعبئة والتغليف وتقلبات سعر الصرف كلها تعد معاناة يومية للعاملين في تجارة البن، حسبما يرى مؤسس شركة ريقاف علي خطاب.

تقلبات السوق ليست محلية فقط، فسوق البن العالمية تواجه أيضا أزمة ناجمة عن تغير المناخ. الاحتباس الحراري يعيق نمو المحاصيل في مناطق الإنتاج الرئيسية مثل البرازيل وفيتنام، مما يدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات قياسية، بحسب الخازندار. كما أن هطول الأمطار غير المنتظم وموجات الحر الشديدة تقلص الإمدادات قبل وصول حبوب البن إلى المصدرين، مما يجبر محامص البن المصرية على دفع أسعار باهظة لمجرد تأمين مخزونها، طبقا لخطاب.

إلى جانب ذلك، يواجه قطاع القهوة نقصا حادا في "المهارات": هناك منافسة شديدة على المهارات البشرية في هذا القطاع من صانعي القهوة ومحمصيها المهرة اللازمين لتقديم تجربة قهوة مميزة. وقد تضرر مقهى 30 نورث — باعتباره رائدا في مجال التدريب كذلك — بشدة من هذه المنافسة الشرسة على الكفاءات. يصف الخازندار شركته بأنها الشركة التي تدرب المهارات، إذ تستثمر بكثافة في اعتماد موظفيها على أيدي مدربين أجانب يتقاضون رواتبهم بالعملات الصعبة. إلا أن هذا الاستثمار جعلها هدفا للمنافسين: "لقد أصبحنا وجهة لاقتناص المواهب لكل من يدخل السوق"، مشيرا إلى أن المنافسين يستقطبون موظفي 30 نورث لتوفير سنوات من تكاليف التطوير بدلا من الاستثمار في برامجهم التدريبية الخاصة.

يؤكد عمر عبد الله هذا الرأي، مشيرا إلى أنه رغم سهولة الحصول على المعدات بفضل تطور شبكة الموردين، لا تزال برامج التدريب "محدودة نوعا ما". ويتسابق القطاع لرفع مستوى مهارات القوى العاملة لمواكبة الطلب المتزايد، لكن الفجوة بين عدد المقاهي الجديدة وعدد العاملين المؤهلين لا تزال تشكل عائقا.

المقاطعة ترجح كفة المحلي: جاء المناخ الاقتصادي الكلي والجيوسياسي لصالح لاعبي قطاع القهوة المحليين، إذ أسهمت المقاطعة الاستهلاكية الأخيرة لسلاسل المقاهي الغربية والعالمية الكبرى في تسريع التحول نحو العلامات التجارية المحلية. صنعت أثرا ضخما دون شك، لا سيما في قطاع المقاهي، حسبما يشير خطاب، مضيفا أن الأفراد بدأوا يقدرون العلامات التجارية المحلية أكثر لأنهم يشعرون بارتباط شخصي بها.

يتمتع اللاعبون المحليون بميزة تشغيلية حاسمة: المرونة. "غالبا ما تعمل السلاسل العالمية بأنظمة أكثر جمودا"، بحسب عبد الله. في المقابل، تستطيع العلامات التجارية المحلية التكيف سريعا مع اتجاهات السوق ونقص الإمدادات أو احتياجات المستهلكين. وتمتد هذه المرونة إلى الخدمات اللوجستية أيضا، إذ يتطلب التعامل مع لوائح الاستيراد المعقدة في مصر إبداعا ومرونة كبيرة. ويؤكد بهجت اعتماده على مراكز إقليمية مثل السعودية والإمارات لسد فجوات الإمداد عندما تتأخر الواردات المباشرة. الأوضاع تبقى دائما معرضة لدورات من الهبوط والصعود، ولكن مفتاح البقاء على المسار الصحيح هو امتلاك المرونة اللازمة، حسبما أضاف.

السوق تكبر وتتوسع: تقدر قيمة سوق القهوة المتخصصة في مصر حاليا بنحو 300-400 مليون جنيه، ما يمثل حصة متنامية تتراوح بين 5 و7% من سوق القهوة المصرية الأوسع نطاقا التي تبلغ 5 مليارات جنيه تقريبا. ورغم أنها لا تزال سوقا متخصصة، إلا أن تأثيرها كبير. يبدي المؤسسون ورواد الأعمال الذين تحدثنا معهم في إنتربرايز تفاؤلا حذرا، بفضل منتج يتجاوز كونه مجرد سلعة إلى أسلوب حياة. فبفضل فخامة وجودة علامات مثل 30 ثورث، والتكيف السريع والمرونة لعلامة براون نوز، وسهولة الوصول إلى منتجات ريقاف، وبناء مجتمع متماسك في مقهى ريتشوال المتخصص، تثبت هذه العلامات التجارية أنه حتى في أصعب الظروف الاقتصادية (والبيئية)، ستظل هناك دائما سوق واعدة لفنجان القهوة الجيد.