حبس مراقبو برنامج الطروحات الحكومية أنفاسهم طوال عام 2025، فقد كان هذا العام بمثابة بيات شتوي للبرنامج، وغابت عنه الحيوية المرجوة. ومع ذلك، يرى رئيس قسم البحوث في “سي أي كابيتال” منصف مرسي أن العام المقبل قد يحمل مشهدا مختلفاً، مدفوعا بتراجع أسعار الفائدة، وتجلي علامات الإصلاح بوضوح، ونهج أكثر جدية تجاه الطروحات الحكومية. وبحسب رؤيته، قد تهب الروح أخيرا في البورصة المصرية.
لكي تنطلق البورصة.. لابد من تحقق شرطين
#1- تراجع أسعار الفائدة عالميا ومحليا: يفضل المستثمرون تركيز أموالهم في أدوات الدخل الثابت عندما تكون الفائدة مرتفعة، في حين يتجهون إلى الأسهم حين تدفعهم الفائدة المنخفضة للبحث عن فرص نمو، بحسب مرسي. “سيعني نهج التيسير النقدي العالمي أن رؤوس الأموال ستتدفق من الأسواق المتقدمة إلى الأسواق الناشئة”، حسبما يوضح.
ولكن ألن تتجه الأنظار إلى السعودية والإمارات قبل مصر؟ يقر مرسي بأن السوقين الخليجيتين الكبيرتين لا تزالان تستحوذان على نصيب الأسد من اهتمام المستثمرين. لكن هذا لا يعني بالضرورة إزاحة مصر من المشهد. فما السبب في وراء هذا الاعتقاد؟ لأن الصناديق التي تخصص استثماراتها لمصر تختلف في الغالب عن نظيراتها التي تركز استثماراتها حصريا على السعودية. وبالنظر إلى حجم البورصة المصرية الصغير نسبيا، فحتى التدفقات الأجنبية المتواضعة من شأنها أن تحدث تأثيرا كبيرا، ويتوقع مرسي أن تكون مصر من بين الوجهات الأولى لضخ الأموال في عام 2026.
تتوقع “سي أي كابيتال” أن تخفض مصر أسعار الفائدة بنحو 600 نقطة أساس في عام 2026. ومع أن عوائد السندات ستنخفض، ستبدو مصر سوقا أكثر أمانا من منظور مخاطر الائتمان. ويضيف مرسي أنه حتى في ظل انخفاض قدره 6 نقاط مئوية في العام المقبل، ستظل السوق المصرية تعمل بعائد إيجابي حقيقي في المستقبل، إذ يرى أن البنك المركزي المصري سيهدف إلى إبقاء العوائد الحقيقية عند مستوى إيجابي بنسبة 3%، مما سيجعل السوق جذابة للمستثمرين الأجانب الذين ستجذبهم الأسهم أيضا بجانب السندات.
أرقام في السياق: أبقى البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير الشهر الماضي. واستقر بذلك سعر الإيداع لليلة واحدة عند 21.00%، والإقراض عند 22.00%، وسعر العملية الرئيسية والخصم عند 21.50%. في حين تراجع التضخم السنوي في المدن بمقدار 0.2 نقطة مئوية في نوفمبر ليصل إلى 12.3%.
#2- الوفاء بالوعود التي قُطعت للمستثمرين: لا يقتصر اهتمام المستثمرين على التصريحات التي تدلي بها الحكومة، بل إنهم يكترثون أيضا بما يُنفذ على أرض الواقع، حسبما قال مرسي، مضيفا أنه خفض الفائدة يحمل أهمية فعلية، لكن الطروحات العامة هي في الحقيقة بمثابة نتيجة مباشرة للاستقرار والثقة، وكلاهما بدأ في التحقق.
ويرى مرسي أن الصفقات الحكومية الضخمة لبيع الأراضي قد تجلب السيولة، لكنها تظل حلا مؤقتا، مشيرا إلى أن ما يهم المستثمرين حقاً هو فتح قطاعات أعمال حقيقية أمام القطاع الخاص. فما هي الإشارة الجدية على رغبة الحكومة في ذلك؟ يقول مرسي إن السماح لمشغلين من القطاع الخاص بإدارة المطارات قد يكون البداية، مضيفا أن مطار الغردقة يعد خطوة أولى، نظرا إلى أنه أصل استراتيجي يؤثر في قطاعات حيوية مثل السياحة، وهو أمر تجب مراقبته لأنه يعكس الجدية في العمل.
استقرار الصرف + الصناعات القائمة على التصدير
ساعد استقرار سعر الصرف في عودة تحويلات المصريين بالخارج بقوة، وسوف “تستمر في التدفق ما دمنا نحافظ على استقرار سعر الصرف. أعتقد أن سعر الصرف الحالي عند مستوى جيد، لا سيما في ظل ما نشهده من تحرك مع فارق التضخم بين مصر وأكبر شركائها التجاريين، وهو بالضبط ما أعلن البنك المركزي عن رغبته فيه”، بحسب مرسي. وأشار مرسي إلى أن الجنيه أمام الدولار يُتداول في نفس نطاق سعر الصرف تقريبا منذ شهور، مؤكدا أن ميزان المدفوعات متماسك، والاحتياطيات تنمو تدريجيا، والتدفقات النقدية الأجنبية تمول الاقتصاد.
“بدأت الصادرات في الانتعاش خلال الربعين الماضيين، وإذا نظرنا إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي لكل ربع سنة، سنجد أن الصناعات القائمة على التصدير كانت أحد المحركات الرئيسية”، بحسب مرسي، الذي سلط الضوء على شركات مثل مجموعة طلعت مصطفى، وإيديتا، وكليوباترا التي نجحت في توسيع نطاق انتشارها دوليا. ومع ذلك، لا يزال بإمكان صناع السياسات تقديم الكثير لدعم هذا القطاع.
تذكر- صرح الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار في “سي آي كابيتال” عمرو هلال، لإنتربرايز في وقت سابق من هذا الشهر بأن المستثمرين الأجانب يراقبون من كثب الشركات الموجهة للتصدير، ويرون فيها وسيلة تحوط ضد تقلبات العملة بفضل إيراداتها الدولارية الطبيعية وهياكل التكلفة التنافسية لديها.
ما الذي يتحسن في صمت داخل البورصة المصرية؟
يعد ارتفاع القيمة السوقية من بين الإنجازات البارزة في عام 2025 التي ذكرها مرسي، جنبا إلى جنب مع تحسن سيولة التداول، وزيادة عدد الأسهم التي تستوفي الآن الحد الأدنى من متطلبات الحجم للمستثمرين الأجانب. ويحمل هذا أهمية كبيرة من أجل أن يشرع المستثمرون الأجانب في الالتفات إلى السوق، نظرا إلى أن عددا منهم لديهم حدود دنيا فيما يتعلق بضخ الأموال في الأسهم، ومستويات السيولة، والقيمة السوقية؛ ومن ثم فإن هذه التحسينات ستبدأ في جذب الأموال الأجنبية.
ومع بقاء أسبوعين فقط على نهاية تداولات العام، سجل المؤشر الرئيسي للبورصة (EGX30) ارتفاعا بنسبة 42.3% منذ بداية العام حتى الآن.