🏆 يبدو أن نسخة 2026 من كأس العالم ستكون الأكثر انغماسا في البيزنس خلال تاريخ البطولة الذي يقارب مئة عام. فبقيادة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، أدخلت الهيئة الحاكمة لكرة القدم سلسلة من التغييرات غير المسبوقة على البطولة. هذه التغييرات تحمل شبهات عدة، مثل منح الأولوية للإيرادات وتفضيلات البث الأمريكي على حساب تقاليد اللعبة، ومصالح مليارات المشاهدين الذين يتابعون المباريات من المدرجات والمنازل.
تطوير، أم تشويه للشكل المعتاد؟ في ما يراه كثيرون محاولة واضحة لإرضاء شبكات البث في الولايات المتحدة، أعلن الفيفا أن كل مباراة من مونديال 2026 ستشهد استراحة إجبارية مدتها ثلاث دقائق في كل شوط لتناول المياه وترطيب أجسام اللاعبين، بغض النظر عن الظروف المناخية في الاستاد. ستكون هذه الاستراحة عند الدقيقتين 22 و67، ما يقسم المباراة التي اعتادت أن تمتد على مرحلتين مدة كل واحدة منهما 45 دقيقة إلى أربعة أشواط بشكل فعلي. يزعم فيفا أن هذه الخطوة تستهدف منح الأولوية لسلامة اللاعبين، لكن توقيت إعلانها يثير الشكوك، وكذلك مكان الإعلان خلال الاجتماع العالمي للمذيعين في واشنطن.
استراحة إعلانية: مدة الثلاث دقائق تتماشى مع طول الفواصل الإعلانية المستخدمة في البث الرياضي الأمريكي. وبهذا تتحول انسيابية المباريات إلى صيغة أقرب لما اعتاده مشاهدو الولايات المتحدة في منافسات كرة القدم الأمريكية، والتي تفصل بين أشواطها الأربعة فترات توقف تبلغ دقيقتين ونصف. الاستراحة الموحدة تخلق — ولو نظريا — فرصة إعلان إضافية لشبكة فوكس صاحبة حقوق بث البطولة في الولايات المتحدة، وفق منصة فرونت أوفيس سبورتس. هذه الخطوة تمنح الشركة مساحة إعلانية بتوقيتات معروفة ويمكن بيعها بأسعار مرتفعة للغاية، خصوصا أنها تقع في منتصف شوطي المباراة بما يضمن أن يراها الجميع، بعكس إعلانات قبل وبعد المباراة وبين الشوطين.
لم يستخدم الفيفا استراحات المياه سوى في حالات الحرارة الشديدة، مثل مونديال 2014 في البرازيل وكأس العالم للأندية بالولايات المتحدة الصيف الماضي. لكن مونديال 2026 سيشهد استراحات في كل المباريات، بما في ذلك تلك التي تقام داخل ملاعب مغلقة ومكيفة.
أهذا نهائي المونديال أم السوبر بول؟ في خطوة أخرى غير مسبوقة، أعلن الفيفا أن نهائي كأس العالم 2026 المقام على ملعب ميتلايف بنيوجيرسي سيشهد أول عرض بين شوطي المباراة في تاريخ البطولة، في استلهام مباشر لنهائي السوبر بول الأمريكي. إنفانتينو وصف الخطوة بأنها ستكون “لحظة تاريخية للمونديال، وعرضا يليق بأكبر حدث رياضي في العالم”. هذه الظاهرة الأمريكية تستهدف جذب المشاهد غير المتابع، الذي يمكن أن يرى مباراة واحدة كل عدة سنوات، وليس مشجع كرة القدم الدائم الذي يشاهد من أجل متعة اللعبة ذاتها، وفق تقرير إي إس بي إن.
كما حصل فيفا على حقوق إدارة ميدان التايمز في نيويورك خلال نهائي البطولة ومباراة المركز الثالث، بما في ذلك الشاشات والساحات والضيافة ومناطق المشاهدة، ليضيف عروضا أخرى تحول المونديال إلى استعراض ترفيهي بدلا من أن يكون حدثا رياضيا خالصا.
الخطوة التي تجسد أولويات الفيفا أكثر من غيرها هي استحداث “جائزة السلام”، التي بدت مفصلة خصيصا على مقاس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. منح إنفانتينو الجائزة إلى ترامب خلال مراسم قرعة كأس العالم في 5 ديسمبر، ووصفها بأنها تكريم لما بذله من ” عمل استثنائي وغير عادي من أجل السلام “. وجاء هذا بالتزامن مع توجيه الولايات المتحدة ضربة إلى سفينة فنزويلية جديدة في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص، وتكرار الإدارة الأمريكية تصريحات ترامب بأن الجيش سيبدأ ضرب أهداف داخل فنزويلا.
لم تفز بنوبل؟ لا توجد مشكلة: ترامب قال على الملأ إنه يستحق جائزة نوبل للسلام لجهوده في منع الحروب عبر العالم خلال ولايته الثانية، لكنه خسرها لصالح المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. أما إنفانتينو فسبق وصرح بأن ترامب ” يستحق نوبل بالتأكيد “، في تشديد على العلاقة الوثيقة التي لا تخفى على أحد بين الطرفين. فالأول حضر حفل تنصيب ترامب، وجلب إليه كأس العالم للأندية ليعرضها في البيت الأبيض، ورافقه في مصر خلال فعاليات الاحتفال بوقف إطلاق النار في غزة. ما بال الفيفا وجوائز السلام؟
قرار فردي: فوجئ مسؤولون كبار في الفيفا بإعلان جائزة السلام، وفقا لتقرير بوليتيكو، الذي يشير إلى أن إنفانتينو تجاوز مجلس الاتحاد الدولي لاستحداث الجائزة ومنحها، حتى أن نواب الرئيس علموا بالقرار بعد صدوره.
الخطوة تعرضت للكثير من الانتقاد من المشجعين ومسؤولي فيفا ومنظمات حقوق الإنسان، واعتبرها المسؤول الأممي السابق كريج مخيبر “مخزية”، منبها إلى عدم تحرك الفيفا إزاء الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون. بينما قدمت منظمة فير سكوير شكوى أخلاقية رسمية ضد إنفانتينو، متهمة إياه بانتهاك قوانين الفيفا الملزمة بالبقاء على الحياد السياسي.
الفيفا.. إلى أين؟ تحركات إنفانتينو تحول الجهة الحاكمة لكرة القدم العالمية إلى أداة علاقات عامة لتبرير تصرفات الحكومة الأمريكية التي تتجه نحو مزيد من السلطوية، حسبما ذكر تقرير ذا نيشن. ومع توقع أن يحقق مونديال 2026 أكثر من 10 مليارات دولار للفيفا، يرى المنتقدون أن إنفانتينو يسعى ببساطة للتقرب من رئيس دولة مضيفة يملك تأثيرا على اللوجستيات والتأشيرات وغيرها من ترتيبات البطولة، محولا “اللعبة الجميلة” إلى منتج تجاري أولا ثم رياضي ثانيا.