🎭 هذا هو الجزء الرابع والأخير من سلسلتنا التقريرية التي تناقش اتفاقية استحواذ نتفليكس على وارنر براذرز. يمكنكم قراءة الجزء الأول الذي يتناول تحليل الصفقة عن طريق جانبها الاقتصادي من هنا، والجزء الثاني الذي يتناول تأثيرها على العاملين بالصناعة والمبدعين أنفسهم من هنا، والجزء الثالث الذي يتناول دخول شركة باراماونت المفاجئ من هنا.

لننعش ذاكرتنا: توصلت نتفليكس أواخر الأسبوع الماضي إلى اتفاق للاستحواذ على تكتل وارنر براذرز ديسكفري، بما في ذلك استوديوهات الأفلام والتلفزيون التابعة لإتش بي أو ماكس، في صفقة تبلغ قيمتها 82.7 مليار دولار، وفق بيان رسمي. وبعد ثلاثة أيام فقط، وصلت حرب المزايدة إلى ذروتها حين أعلنت شركة باراماونت سكاي دانس عرضها للاستحواذ العدائي على شركة وارنر براذرز ديسكفري بإجمالي 108.4 مليار دولار نقدا.

بعيدا عن شبهة الاحتكار، ثمة ضربة أخرى لا تقل وطأة، فالرجل المعروف بأنه لا يؤمن بدور العرض السينمائي بات الآن يتحكم في أهم استوديو بهوليوود. وبينما وعد الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس تيد ساراندوس بأن الصفقة ستعمل على صياغة القرن المقبل من الأفلام والمسلسلات، فإن عملية الاستحواذ تهدد بتوجيه ضربة قاسية ليس للسينما والنوافذ الاقتصادية في هوليوود فحسب، بل لنسيج التجربة الثقافية المشتركة التي وفرتها السينما لأكثر من مئة عام.

لم يدخر ساراندوس وسعا في إبداء ازدرائه لتجربة مشاهدة الأفلام في قاعات السينما. ففي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز عام 2024، وعند سؤاله عن نجاحات شباك التذاكر مثل باربي وأوبنهايمر التي شهدت حضورا جماهيريا مكثفا، قال إنه يعتقد أنه كان بإمكان الجمهور الاستمتاع بها بالقدر نفسه من المنزل: “لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن الفيلم يصبح أفضل على الشاشة الكبيرة … ابني شاهد لورنس أوف أرابيا على هاتفه”. هذا ليس موقف رئيس تنفيذي يعترف بأن خيارات المشاهدة المختلفة تلبي احتياجات متباينة، بل رؤية تصر على أن مشاهدة ملحمة ديفيد لين المصورة خصيصا بتقنية 70 مم لالتقاط ضخامة المشاهد، على الهاتف المحمول تعادل مشاهدتها في قاعة سينما.

لكن ما غاب عن ذهن المتحكم في نتفليكس أن تجربة الذهاب إلى السينما لا تتعلق بالسهولة أو الراحة، بل أنها ممارسة ثقافية واجتماعية لها قيمة أصيلة ممتدة عبر الزمن. وصف دور العرض بأنها “عفا عليها الزمن” (وهو وصف استخدمه ساراندوس) يشبه تماما وصف المطاعم بأنها صارت موضة قديمة لمجرد أن خيارات التوصيل إلى المنازل صارت متاحة.

يا تلحق يا متلحقش: تعهدت نتفليكس بالإبقاء على التشغيل السينمائي لأفلام وارنر بروس، إلا أن ساراندوس سارع إلى إضافة تحفظواضح: “بمرور الوقت، ستتطور مدة العرض السينمائي لتصبح أكثر ملاءمة للمستهلكين، ولنصل إلى الجمهور بشكل أسرع”. الترجمة واضحة ومباشرة: فترات عرض الأفلام في دور السينما ستتقلص بشكل كبير.

عروض إنتاجات نتفليكس في الولايات المتحدة لا تتجاوز أسبوعين الآن قبل نقل الأفلام إلى منصة البث، وهو فارق كبير مقارنة بنافذة الـ 45 يوما التقليدية التي وصفها ساراندوس بأنها “غير منسجمة تماما مع تجربة المستهلك”. وقد جاء الرد سريعا اتحاد سينما يونايتد، الجهة العالمية الممثلة لصناعة العرض السينمائي، بأن “الاستحواذ يشكل تهديدا غير مسبوق لصناعة العرض السينمائي عالميا، والتأثير السلبي لهذه الصفقة سيمتد من السينمات الضخمة إلى دور العرض الصغيرة ذات الشاشة الواحدة”، كما سيحرم الجماهير من التجربة السينمائية الكاملة.

التكلفة الثقافية: في عالم يزداد انقساما وتفككا وتتنامى فيه أزمة الوحدة بين الأفراد، تقدم دور السينما قيمة لا يمكن استبدالها، وهي تجربة أن تكون جزءا من جمهور أكبر يشترك في نفس الغاية، تماما كما يختلف حضور حفل موسيقي أو مباراة كرة قدم عن الاستماع في المنزل أو المشاهدة على التلفزيون. تلك اللحظة التي يخيم فيها الصمت على القاعة مع ظهور تويست مفاجئ، أو الضحك الجماعي إثر مشهد كوميدي منفذ بإتقان، أو ملاحظة نشيج الآخرين من حولك متأثرين بحزن أبطال العمل، هذه أوقات من التفاعل العاطفي المتزامن التي تخلق روابط عابرة بين الغرباء وتعزز إحساسا بالانتماء المجتمعي.

كريستوفر نولان قاتل كثيرا كي يبقى فيلم أوبنهايمر في دور العرض، ودينيس فيلنوف أصر على ضرورة مشاهدة سلسلة ديون على أكبر شاشة ممكنة، وجيمس كاميرون يصمم أفلامه خصيصا للعرض السينمائي، وكل هذا ل يحدث اعتباطا. هؤلاء المخرجين يدركون ما لا يفهمه ساراندوس، وهو أن تجربة السينما تختلف بشكل واضح عن المشاهدة المنزلية، وأنها ليست مجرد شيء عفا عليه الدهر، بل هناك فروق جوهرية تحدث فارقا حقيقيا.

العقد الاجتماعي: عند مشاهدة فيلم في السينما، فإنك توافق بشكل ضمني على نوع من العقود غير المكتوبة مع بقية الجمهور. ترتضي أن يكون ذهنك حاضرا بالكامل، وأن تكرس انتباهك لتجربة الفيلم كما قصد المخرج، بأن تشاهدها في الظلام التام على شاشة ضخمة مصحوبة بصوت مضبوط بعناية، دون الانشغال بهاتفك أو مطالعة السوشيال ميديا بين حين وآخر كما تفعل في المنزل. هذا التركيز الجماعي يخلق تجربة أكثر عمقا، تجربة تدوم طويلا في الأذهان.

تعليقات ساراندوس تعكس رؤية شخص يعتبر الأفلام مجرد محتوى يمكن استهلاكه وحسب، بدلا من أن يراها شكلا من أشكال الفن يرتبط تأثيره بشكل ضخم بكيفية تجربته. القصة التي ذكرها عن ابنه ومشاهدته لورنس أوف أرابيا على هاتفه (من شابه أباه) ليست دليلا على أن حجم الشاشة غير مهم، بل على أنه لا يفهم أهمية السينما رغم كونه واحدا من أقوى المتحكمين في مصائرها.