? هذا هو الجزء الثاني من سلسلتنا التقريرية المكونة من ثلاث حلقات عن استحواذ نتفليكس المحتمل على وارنر براذرز. يمكنكم قراءة الجزء الأول الذي يتناول تحليل الصفقة عن طريق جانبها الاقتصادي من هنا.

لننعش ذاكرتنا: توصلت نتفليكس أواخر الأسبوع الماضي إلى اتفاق للاستحواذ على تكتل وارنر براذرز ديسكفري، بما في ذلك استوديوهات الأفلام والتلفزيون التابعة لإتش بي أو ماكس، في صفقة تبلغ قيمتها 82.7 مليار دولار، وفق بيان رسمي. هذه الصفقة — التي تجعل عملاق البث المالك الجديد لأحد أكثر الاستوديوهات عراقة في هوليوود — تجمع بين هيمنة نتفليكس العالمية في البث الرقمي وإرث سينمائي يمتد لأكثر من مئة عام، يضم أعمالا على شاكلة جيم أوف ثرونز وهاري بوتر وعالم دي سي، إلى جانب كلاسيكيات خالدة مثل كازابلانكا وسيتيزن كين وذا ويزرد أوف أوز.

تاريخ من الأخطاء: رغم أن الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس تيد ساراندوس وعد بأن الاندماج سيخلق "مساحات أكبر أمام المجتمع الإبداعي"، فإن سجل الشركة التاريخي يشير إلى خلاف ذلك. كانت نتفليكس من أوائل من ابتكروا نموذج أجور تعويضات ينتج عنه تدني أجور الممثلين والكتاب بشكل منهجي، وهو نموذج قد يشكل سابقة خطيرة لما سيواجهه العاملون في وارنر براذرز والمنتسبون إليها.

المشكلة لا تتعلق فقط بانخفاض الأجور الأساسية، بل بالقضاء على حقوق البث اللاحقة بشكل كامل، وهي المدفوعات التي يتلقاها الممثلون عند عرض أعمالهم مرارا على التلفزيون أو منصات البث. هذه الحقوق تعد مصدر دخل ثابتا في التلفزيون التقليدي، بحيث يتلقى الممثل أو الكاتب أو المخرج أو غيرهم دفعات سنوية بحسب نسب مشاهدة العمل، أما نموذج نتفليكس فقد ألغى هذه الإيرادات تقريبا.

لنضرب مثلا أو اثنين: كان مسلسل أورانج إز ذا نيو بلاك من أوائل النجاحات التي حققتها نتفليكس، وأسهم في ترسيخ مكانتها كمنتج رئيسي للمحتوى المرئي، إلا أن أبطاله حصل على مبالغ زهيدة نظير حقوق البث اللاحقة. واحدة من هؤلاء الأبطال هي كيميكو جلين، التي ظهرت في 44 حلقة بدور بروك سوسو، ثم عادت مؤخرا لتكشف في فيديو على تيك توك أن إجمالي مستحقاتها السنوية من البث الدولي يبلغ 27 دولارا فقط، وذلك عن مسلسل كانت نتفليكس تتفاخر بأنه يتجاوز جيم أوف ثرونز من حيث عدد المشاهدات. أما إيما مايلز — التي لعبت دور ليان تايلور على مدى ستة مواسم — فقالت لصحيفة النيويوركر إنها تحصل على نحو 20 دولارا من حقوق المسلسل كل عام، مقابل 600 دولار سنويا تتقاضاها عن ظهورها كضيفة في أربع مشاركات فقط بمسلسل لو أند أوردر. بطلة أخرى للمسلسل هي ديان جيريرو لجأت إلى العمل في الحانات، ولوري تان تشين فكرت في التقدم للحصول على مساعدات غذائية من الحكومة.

حتى نجم مسلسل بريكنج باد أرون بول قال إنه "لا يحصل على مستحقاته" من نتفليكس عن دوره الأيقوني جيسي بينكمان. وكذلك الحال مع مبدع سلسلة سكويد جيم، رغم أن المسلسل حقق 900 مليون دولار للشركة بغض النظر عن الحقوق الفكرية.

هذه ليست نماذج هامشية، بل جزء من البنية التي يقوم عليها نموذج نتفليكس. مستحقات أورانج إز ذا نيو بلاك "تأتي من جزء من الرسوم التي دفعتها نتفليكس لشركة ليونز جيت مقابل ترخيص عرض المسلسل ... وهو مبلغ ضئيل للغاية مقارنة بما جناه هؤلاء الممثلون في التلفزيون التقليدي"، وفق النيويوركر. ومن خلال هندسة الصفقات لتقليص حقوق البث، تعظم نتفليكس أرباح التنفيذيين والمساهمين، فيما يعاني المبدعون من ضيق ذات اليد. يتقاضى ساراندوس عشرات الملايين سنويا، بينما يعمل أبطال أعمال نتفليكس الشهيرة في وظائف إضافية لسداد نفقاتهم.

على العكس من نتفليكس، تتمتع وارنر براذرز بسمعة طيبة في معاملة المواهب وتحافظ على علاقات متينة مع صناع السينما، لكن هذه السمعة والعلاقات باتت على المحك. العديد من النجوم الكبار الذين سيحصلون دون شك على أجور عالية هم أعضاء في الاتحاد الأمريكي لفناني الراديو والتلفزيون، وهي النقابة التي لم تتردد يوما في دعم الكتاب والعاملين في الإضاءة والأزياء وغيرهم للحصول على أجور عادلة. وربما يرفض هؤلاء النجوم العمل مع استوديو جديد يتعامل بصورة سيئة مع كثير من لاعبي الصناعة.

ردود الفعل داخل القطاع جاءت سريعة: نقابة كتاب السيناريو الأمريكية دعت إلى إيقاف الصفقة بالكامل، مؤكدة أنها حال إتمامها "ستخفض الوظائف وتضغط على الأجور وتزيد من سوء ظروف للعاملين في الترفيه، وكذلك ترفع الأسعار على المستهلكين وتقلل حجم المحتوى المتاح للجمهور وتنوعه". أما نقابتي المخرجين والمنتجين فعبرتا عن قلقهما أيضا، وأكدتا أن "الاستوديوهات العريقة ليست مجرد مكتبات محتوى" قابلة للبيع والشراء.

الصفقة تأتي في لحظة حرجة تمر بها هوليوود، فالقطاع بأكمله "يشعر بالارتباك أمام التغير السريع في سلوك المستهلكين"، كما يشير تقرير سي إن إن، فيما تتعامل الشركات مع الأزمة من خلال الاندماج. ديزني اشترت هولو، ووارنر ميديا اندمجت مع ديسكفري، وباراماونت مع سكاي دانس. كل واحدة من عمليات الدمج هذه تسببت في تسريح العمال وتقليص الوظائف، وإطلاق وعود لم تتحقق بدلا من تطبيق حلول مستدامة. المشكلة أن عمليات الدمج والاستحواذ تؤدي إلى "تقليل الخيارات والأصوات المسموعة، وأيضا تخفيض تنوع خلفيات صناع القرار"، حسبما ذكرت المخرجة الكندية ساشا لي هنري لسي إن إن، مشيرة إلى أننا نتجه نحو مرحلة من التقييد تشمل نوعية المحتوى وتنوع منظورات القصص المحكية.

إذا تمت الصفقة كما هو مقدر لها، فقد ينظر كثيرون إلى يوم 5 ديسمبر 2025 باعتباره التاريخ الذي ماتت فيه صناعة السينما نهائيا.

**لم ننته بعد: انتظرونا في عدد الغد من نشرة إنتربرايز المسائية لتعرفوا التداعيات الثقافية التي يمكن أن يتسبب فيها الاستحواذ.