? انتبه.. التسعير الخوارزمي في طريقه إليك: الفصال أو المساومة على السعر ليست مجرد عادة شعبية، بل إن معظم تاريخ التسوق البشري كان يقوم على التفاوض. في الماضي، كان ما تدفعه يعتمد على مهاراتك في المساومة، أو على مدى ثرائك الظاهر، أو حتى ببساطة على مزاج التاجر. لكن هذا النظام بدأ يتغير في الولايات المتحدة منتصف القرن التاسع عشر، عندما لاحظ بعض التجار المسيحيين أن فرض أسعار مختلفة للسلعة نفسها يعتبر ممارسة غير أخلاقية، فبدأوا يضعون أسعارا ثابتة في متاجرهم، وفقا لتقرير نيويورك تايمز. هذا النظام تعرض للتقنين عام 1874، وانتشرت الممارسة لتصبح معيارا صناعيا موحدا.
عرض السلع مصحوبة بأسعارها كان ثورة في حد ذاته، إذ أتاح للمستهلكين مقارنة الأسعار بين المتاجر، وأجبر التجار على الدخول في منافسة لتقديم الأفضل للمشترين. كانت هذه البطاقة الورقية ابتكارا ديمقراطيا في جوهره، ورقة صغيرة ساوت بين المشتري والبائع. واليوم، وبعد 150 عاما، بدأت هذه المعادلة في الانهيار مع صعود الذكاء الاصطناعي والمراقبة الآلية، إذ تعمل الشركات على تفكيك نظام بطاقة التسعير، ليس عبر إزالتها تماما، بل عبر تفريغها من معناها.
صعود التسعير الخوارزمي: كلنا وقعنا ضحايا للتسعير الديناميكي رغما عنا، وحتى لو لم نلاحظ هذا. لماذا ترتفع أسعار أوبر في ساعات الذروة؟ ولماذا تتغير أسعار تذاكر الطيران ليس فقط حسب الساعة، بل أيضا بحسب الجهاز الذي تتصفح منه والدولة التي تتواجد فيها؟ ولماذا قد يختلف سعر الغرفة الفندقية نفسها على الموقع نفسه بين هاتفك وهاتف صديقك؟
هذا الصعود بات ممكنا مع انتشار البنية التحتية عالميا. الكثير من المتاجر في الغرب صارت تعتمد على شاشات تسعير إلكترونية على الرفوف، وهي شاشات رقمية تحل محل بطاقات الأسعار التقليدية. أهمية هذه الشاشات لا تقتصر على الكفاءة، إذ أنها تختصر تغييرات الأسعار التي كانت تستغرق بضعة أيام إلى دقائق قليلة، وتمنح المتاجر الآن فرصة تغيير الأسعار كما تشاء كل عشر ثوان أو أقل. بل إن سعر السلعة التي تشتريها ربما يتغير في الوقت الواقع ما بين اختيارك إياها ووصولك بها إلى الكاشير من أجل الدفع.
البيانات تعرف كل شيء عنك: مع إحكام عمالقة التك قبضتها على بياناتنا، لن يمر وقت طويل قبل أن يصبح تسعير المراقبة المبني على بيانات كل مستهلك هو المعيار السائد في السوق. ستكون الشركات قادرة استخدام العادات الشرائية لكل فرد لتحديد مقدار ما يستطيع دفعه وما سيرضى بدفعه. في يناير 2025، نشرت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية نتائج أولية من دراسة أجرتها عن تسعير المراقبة. وجدت اللجنة أن سلوكيات المستهلكين — بدءا من تحركات مؤشر الماوس على صفحات الإنترنت وحتى المنتجات التي يتركونها في عربة التسوق الإلكترونية دون شرائها — يمكن تتبعها واستخدامها من قبل تجار التجزئة، وأن شركات وسيطة تستطيع مساعدة متاجر البقالة ومتاجر الملابس وغيرها على استهداف الأسعار بناء على الموقع والتركيبة السكانية وأنماط التصفح والسجل الشرائي لكل مستهلك على حدة.
أسعار مخصصة لكل فرد: مثلا، يمكن للخوارزميات مراجعة عمليات البحث الأخيرة واستنتاج أن أحد المستهلكين رزق حديثا بابن وأن هذا الطفل مريض، وبالتالي تظهر له عمدا أجهزة قياس حرارة للرضع بأسعار أعلى. وكذلك يمكن أن ترتفع تكلفة الشحن إذا علمت الخوارزمية أنك غالبا ستقبل دفع سعرا أعلى مقابل التوصيل السريع. وبهذا، بدلا من كون السعر خاصية ثابتة للمنتج، فإن المنتج نفسه قد يحمل سعرا مختلفا بناء على ما تعرفه الشركات عنك، بحسب لجنة التجارة الفيدرالية.
هذا النوع من التسعير الشخصي ليس جديدا من حيث المبدأ، فلطالما حاولت الشركات تحديد ما يمكن أن يدفعه كل زبون، لكن التحول الجوهري هو حجم البيانات المجموعة في عصرنا الحالي ودقتها. ففي 2012، كشف تحقيق وول ستريت جورنال أن بعض مواقع متاجر التجزئة تعرض أسعارا أعلى للمتسوقين الذين يعيشون في مناطق تقل فيها نسبة المنافسة، ما جعل المستهلكين في المناطق ذات الدخل الأقل يشاهدون غالبا أسعارا أعلى من تلك المعروضة لغيرهم في الأحياء الأغنى.
التكنولوجيا مستمرة في التسارع، والتشريعات القانونية تحبو وراءها. فسلوكيات التسعير الخوارزمية تصبح أكثر تعقيدا يوما بعد يوم، بل ربما ساعة تلو أخرى، وشاشات الرفوف الإلكترونية تنتشر بسرعة، وملفات البيانات التي تبنيها الشركات عن المستهلكين تصبح أكثر تفصيلا. ويبقى السؤال أمام المستهلكين (ولاحقا أمام صناع السياسات): هل ينجو نظام التسعير الثابت الممتد منذ 150 عاما في عصر الخوارزميات، أم أننا على وشك العودة إلى الأنظمة التي كانت سائدة في الماضي، لكن هذه المرة وفق مشيئة تكنولوجيا بلا مشاعر بدلا من التجار البشر؟