💡 الحب والوحدة ومرارة الانتظار في “الليالي البيضاء“: في رواية قصيرة لا تتجاوز 112 صفحة، يقص الأديب الروسي الأعظم فيودور دوستويفسكي حكاية حب عابرة تستمر أربع ليال، يلتقي فيها شاب حالم ووحيد بفتاة غارقة في الحب وأساه. يشاركنا دوستويفسكي في سطور قليلة رؤاه بشأن العلاقات العاطفية والوحدة والشجن والحب الذي لا يكتمل، ويقدم للإنسانية قطعة أدبية فريدة لا تتكرر، تحتفظ بقيمتها وتتناقلها الأجيال منذ ما يقرب من قرنين.

تدور الأحداث في مدينة سانت بطرسبرج الروسية، في خضم موسم الليالي البيضاء الشهير الذي تشهده البلاد سنويا خلال الفترة من منتصف يونيو إلى أواخر يوليو. في هذا الوقت من العام تشهد المدينة ظاهرة فلكية آسرة، تمتد فيها ساعات النهار طويلا للغاية، حتى يحين غروب الشمس بعد منتصف الليل تقريبا (الجملة في حد ذاتها تبدو ضربا من الخيال).

الحبكة: خلال موسم الليالي البيضاء، نتعرف إلى الراوي الشاب الرومانسي الذي يحكي بلسانه حكايته ومأساته الشخصية. يعاني هذا الشاب من الوحدة الشديدة التي تعصف به وبأفكاره، فيتمنى لو يلتقي صاحبا أو ونيسا يبادله المشاعر والأفكار ويشاركه الحياة التي تبدو في عينيه قاتمة وبائسة. يصف الراوي — الذي لا تذكر الرواية اسمه تماما — يومه العادي تماما في المدينة الكبيرة التي تتسع عليه حد الاختناق، ووحدته التي تثقله بمزيج من الحزن والبؤس واليأس في أن يلتقي حبيبا يؤنسه، إلى أن تجمعه الصدفة بفتاة تقلب عالمه تماما.

يلتقي بطل الحكاية صدفة بفتاة تدعى ناستينكا، تجلس باكية على أحد المقاعد العمومية بحديقة في المدينة الكبيرة. يتعرف إليها ويدرك أنها بانتظار حبيبها الذي منحها وعدا باللقاء بعد أن فرقتهما الأيام لمدة عام كامل. يجلس الشاب والفتاة معا ويتبادلان الحديث، وسرعان ما يتحول الحديث إلى وعد باللقاء في اليوم التالي، لتنقلب هذه الصداقة العابرة إلى قصة حب من طرف واحد.

هذه رواية عن الوحدة وآلامها وما تفعله في القلوب المعذبة. ببراعته المعتادة وعبقرية كلمته، يمنح دوستويفسكي في هذا العمل قراءه نظرة على الحياة الخاصة بشاب وحيد، يشاهدون عبر كلماته أقسى لحظات ضعفه وخجله واستعداده لفعل أي شيء في سبيل الحب. تدور الرواية ما بين الليلة التي يعانق فيها السماء والأرض ظنا بأن الآلهة قد منحته أخيرا الحب الذي ينتظره، والليلة التي يدرك فيها أن كل ذلك كان سرابا، وأن وحدته القديمة المعتادة تتربص به في الزاوية لتصحبه مجددا إلى منزله وكأن العالم قد اختفى من حوله.

ينجح دوستويفسكي تماما في تشريح النفس البشرية، وتصوير أكبر هواجسها ومخاوفها، وتصوير الحياة بأدق تفاصيلها عندما يثقل الحزن المرء أو تبلغ به السعادة عنان السماء. الأوصاف الدقيقة للمدينة الروسية وأنماط الحياة رائعة، بما يحافظ على أسلوب الكاتب الذي اعتدنا عليه في أعماله. الحكاية قاسية ومؤلمة وحزينة، ورغم قصر الأحداث الذي يجعلها رواية سهلة تقرأ في جلسة واحدة، فإن أثرها في النفس عميق للغاية. هذه الرواية القصيرة تمثل تأملا صادقا وواقعيا نعود إليه كل فترة لحال الإنسان بقوته وضعفه وهشاشته.

أين تقرأونه: يمكن شراء النسخة المترجمة بالعربية عبر مكتبات ديوان ومنصة نيل وفرات، كما يمكن شراء النسخة الإنجليزية عبر ببليوتيك ونيلوفرات.