🩺 البؤس عدو الموظفين الصامت: واحد فقط من كل أربعة موظفين يؤكد أنه يزدهر في عمله حقا، أما البقية؟ فهم إما يعانون في صمت أو ينهارون ببطء تحت وطأة الضغوط، حسبما ينقل تقرير بيزنس إنسايدر عن بيانات شركة إنديد المتخصصة في أبحاث الأعمال. ربما يبدو الأمر كمشكلة شخصية تعود للأفراد، إلا أن المشكلة في الحقيقة تجارية، وهذه المشكلة التجارية تكلف الشركات الكثير من ناحية الأداء والابتكار والاحتفاظ بالموظفين.

الأرقام مقلقة: 74% من الموظفين يعانون من انخفاض مستويات السعادة أو ارتفاع مستويات التوتر أو فقدان الهدف من العمل، وهو ما يتفوق على المخاوف الاقتصادية والسياسية كمصدر رئيسي للتوتر، وفق البيانات. يؤكد نحو 87% من الموظفين أن سعادتهم في مكان العمل تؤثر بشكل مباشر على شعورهم بالراحة. وما يزيد من قلق أصحاب العمل هو أنها لا تؤثر فقط على شعورهم، بل تؤثر بشكل مباشر على أدائهم. يحقق الموظفون ذوو درجات الرفاهية العالية أهداف العمل بمعدل أعلى مرة ونصف من المعدلات التي يحققونها من غيرها، وهم أكثر ميلا للإسهام في تطوير الأعمال والابتكار بشكل ملحوظ.

ما الذي يعزز السعادة والرفاهية في مكان العمل؟ يشير الموظفون عادة إلى عوامل مثل المرونة والأجر العادل، لكن الأرقام لديها رأي آخر. أهم ثلاثة مؤشرات على الشعور بالرفاهية في مكان العمل هي الشعور بالنشاط من خلال العمل، والشعور بأنك جزء من شيء أكبر منك، والثقة في زملاء العمل. المشكلة أن ما يقرب من نصف الموظفين لا يشعرون بالنشاط، وأكثر من ثلثهم يفتقرون إلى الشعور بالانتماء، و40% لا يثقون بزملائهم.

أين تكمن الأزمة حقا؟ العديد من المؤسسات تخطئ في تشخيص هذه المشكلة، إذ تعتبر انخفاض الطاقة مشكلة تتعلق بالتحفيز أو الروح المعنوية، في حين أنها غالبا ما تكون علامة على استنزاف بيولوجي منهجي، وفق تأكيد الرئيس التنفيذي لشركة بايت بلس المتخصصة في تكنولوجيا الصحة في أماكن العمل ياسين عصفور لإنتربرايز. “يتطلب علاج هذه المشكلة أكثر من مجرد ورشة عمل واحدة أو تطبيق صحي، إذ تحتاج دعما صحيا مستمرا ومستندا إلى البيانات”.

لماذا أصبح العمل المسبب الرئيسي للتوتر حول العالم؟ لم يكن الوضع هكذا دائما، فالتحول الأخير مرعب حقا. أصبح العمل يسبب توترا أكبر من عدم اليقين الاقتصادي والاضطرابات السياسية على انتشارها. هناك تغيير جوهري في آلية العمل في حياتنا، إذ “أصبح العمل القوة المنظمة المركزية في حياة كثيرين، خاصة بعد الجائحة. لم يعد ينتهي بانتهاء ساعاته أو بمغادرة الشركة، بل أصبح رفيقا دائما لنا، يدخل منازلنا ويحتل مساحة من إجازاتنا”، وفق عصفور. الحدود بين الحياة الشخصية والعملية لم تتدهور لدى الكثيرين فحسب، بل اختفت تماما، وعندما لا يكون للتوتر نهاية واضحة، يصبح مشكلة مزمنة.

هذا الواقع الجديد نتج عنه ما يسميه الباحثون “التصدع الصامت”، وهو عبارة عن تراجع بطيء وهادئ في مشاعر الرفاهية والسعادة لا تستطيع مقاييس الأداء العادية التقاطه. يعاني أكثر من نصف الموظفين من أعراض هذه الظاهرة، ما يؤدي إلى استنزاف صامت للإنتاجية والمعنويات.

إذا كان الموظف ذو الرفاهية العالية أكثر إنتاجية بمقدار مرة ونصف، فلماذا لا تمنح المزيد من المؤسسات الأولوية للرفاهية؟ يرى عصفور أن الأمر يعود إلى التفكير قصير المدى، فالعديد من المؤسسات تقوم على نظام الدورات ربع السنوية التي تخدم أهداف الإيرادات وتوقعات المبيعات والتعامل مع المستثمرين، وفي هذا السياق تبدو الرفاهية “مؤشرا غير ملموس أو بطيء أو ثانوي”. المشكلة أن رفاهية الموظف لا تؤتي ثمارها على دفعات، بل بطريقة تراكمية، طبقا لعصفور. هناك علاقة إيجابية واضحة بين ارتفاع رفاهية الموظفين وأرباح تقييم الشركة، وفقا لما توصلت إليه دراسة أجرتها جامعة أكسفورد بالتعاون مع بيانات رفاهية مكان العمل من إنديد. المؤسسات التي تقيس رفاهية موظفيها وتمنحها الأولوية تكون ببساطة أكثر ميلا للتفوق فيها عن نظيراتها بثلاث مرات تقريبا.

بدلا من التعامل مع صحة الموظف باعتبارها “مشكلة خارج المكتب”، تدمجها الشركات ذات الرؤية المستقبلية في يوم العمل نفسه. “نوجه [الموظفين من] عملائنا إلى خوض لحظات تأمل قصيرة خلال فترات التوتر العالي، ونساعدهم دائما على تجنب السلوكيات التي تستنزف الطاقة مثل تناول أطعمة ترفع السكر في الدم، والتي تؤدي إلى الشعور بالخمول بعد الظهر”، حسبما يصف عصفور كيف تستخدم بايت بلس تدخلات آنية لمساعدة الموظفين على تصحيح مسارهم قبل تراكم التوتر.

النتائج تتحدث عن نفسها: سجلت بايت بلس تحسينات ملموسة، بما في ذلك زيادة بنسبة 40% في عدد الخطوات اليومية وتحسن ملحوظ في جودة النوم، خاصة النوم العميق ونوم حركة العين السريعة (الذي تحدث فيه الأحلام)، إلى جانب تغيرات واضحة في تكوين الجسم. الأهم كان المشاركة الجادة من جميع المستويات الوظيفية، من القيادة العليا إلى موظفي العمليات. وهكذا فإنه “عندما تصبح الصحة قيمة مجتمعية وليست مجرد ميزة، فإنها ترسي أساسا للأداء والاحتفاظ بالموظفين والثقة طويلة الأمد”، بحسب عصفور.

قياس الرفاهية ومتابعتها ضرورة وليس تفضلا من أصحاب العمل، فهي تؤثر بشكل مباشر على قدرة الشركات على جذب الكفاءات وتحسين الأداء والتنافسية. تدرك أنجح الشركات أن الرفاهية لا تقتصر على إسعاد الموظفين لمجرد السعادة، بل تشمل تهيئة الظروف التي تمكنهم من تقديم أفضل ما لديهم وأداء عملهم بنجاح وتحقيق الإنجازات. المؤسسات التي تدرك هذا لا تؤسس أماكن عمل أكثر صحة فحسب، بل أيضا شركات أكثر مرونة وابتكار وربحية. وفي سوق لا تتجاوز فيها نسبة الموظفين السعداء 26% فقط، قد يمثل هذا التوجه الميزة التنافسية الأكبر.