? من قال إن صاحب بالين كذاب؟ في ظل التحول نحو الذكاء الاصطناعي وحالة عدم اليقين الاقتصادي، يحتاج القائد الجيد إلى ما هو أكثر من مهارات وظيفته الأساسية، إذ ينبغي عليه ممارسة التعلم والسعي وراء المعرفة طول الوقت. تاريخيا، اعتمد النجاح المهني على التخصص والنجاح في شيء محدد بعينه، ولكن الآن الأمور مختلفة. تشير دراسة حديثة أجرتها جامعة هارفارد إلى أن القادة الذين يسلكون مسارات مهنية متنوعة عبر مجالات مختلفة، ويتمتعون بأفق ومعارف أوسع يتفوقون فعليا على نظرائهم ويحققون عوائد أعلى للمساهمين على المدى الطويل.
اليوم، أصبح التخصص فخا: ما كان يعد سابقا ميزة للرئيس التنفيذي تحول إلى نقطة ضعف واضحة، وفقا لفوربس. البيئات المستقرة والمتوقعة تفضل الخبرة الضيقة المتخصصة، أما البيئات المتقلبة فتتطلب رؤية أوسع ونطاق مهارات ومعرفة أكبر. في عصر القيادة الحديثة المعقدة، كل قرار استراتيجي يتقاطع مع مئات القرارات الأخرى. فمثلا، الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خطوة لزيادة الانتاجية، بل هو أيضا قرار يمس الأفراد والأمن السيبراني واللوائح. التخصص المفرط يخدم العمل على مستوى العمق فقط، ولكن قد ينتج عنه قرارات تتعارض مع الجوانب الأخرى إن لم تؤخذ بعين الاعتبار.
هذا الاتجاه ينطبق أيضا على الموظف العادي غير التنفيذي، فمنذ بداية 2025 قامت 218 شركة أمريكية بتسريح أكثر من 112 ألف موظف تقني لأنهم كثير منهم طوروا خبرات شديدة التخصص لا يمكن نقلها بسهولة إلى صناعات ووظائف أخرى، بحسبفاستكومباني. المهارات المتخصصة للغاية أكثر عرضة لأن تصبح بلا جدوى خلال خمس سنوات مثلا، إذ يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن 70% من المهارات المطلوبة في أغلب الوظائف ستتغير.
الأمر لا يتعلق بالأرقام فحسب، بل هناك تفسير علمي: بصرف النظر عن المجال، يساعد تنوع الخبرات المرء في تقديم أفضل أداء لديه. أما بالنسبة للرؤساء التنفيذيين، فيظهر دور علم الإدراك بشكل واضح، إذ يعزز التعرض المتكرر لمشكلات متنوعة القدرة على التعرف على الأنماط، وهي مهارة تعتمد على آليتين ذهنيتين، بحسب هارفارد. الأولى هي "التركيب الداخلي"، إذ يتمكن المرء من خلال الخبرات الواسعة من رصد الأنماط الوظيفية عبر سياقات غير مترابطة. والثانية هي "تأثير الظل"، وهي القدرة على تحديد الحدود وفهم نقطة بداية المشكلة ونهايتها والعوامل المؤثرة فيها.
تنوع المهارات يطور "المخزون الذهني": يحتاج القائد إلى خبرات واسعة يعتمد عليها، ويقيم من خلالها المواقف المعقدة وغير المألوفة. وستكمن الميزة التنافسية للقائد في قدراته الإدراكية وسرعة التكيف لديه، إلى جانب صفاء التفكير وجودة اتخاذ القرارات تحت الضغط. العصر القادم من القيادة الحديثة سيكافئ ليس أصحاب المهارات المتخصصة، بل أولئك الذين يمتلكون قدرات ذهنية ومدارك أوسع تساعدهم على التكيف بحيث يمكن الاعتماد عليها في أوقات الأزمات.