فنجان قهوة مع عمرو هلال، الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار في “سي أي كابيتال”: أجرت إنتربرايز مقابلة مع عمرو هلال (لينكدإن)، الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار (sell-side) بشركة سي أي كابيتال، استكمالا لحديثه خلال مشاركته في حلقة نقاشية بمنتدى إنتربرايز مصر 2025، لبحث ما يتطلبه إحياء أسواق رأس المال في مصر، بدءا من الإصلاح الضريبي وجاهزية الطروحات الأولية، ووصولا إلى السيولة والمشاركة الأجنبية وعمق السوق على المدى الطويل.

بعد سنوات من ضعف الإدراجات وقلة المشاركة المؤسسية، ربما تقف أسواق رأس المال في مصر أخيرا على أعتاب إحياء هيكلي، يجمع بين الانضباط المالي والإصلاح الضريبي وتجدد مشاركة القطاع الخاص. لكن الوصول إلى هذه المرحلة سيتطلب توازنا دقيقا بين تشجيع الإدراجات والحفاظ على الانضباط المالي.

ويرى هلال أن الجهود التي يدفع بها وزير المالية مؤخرا لتحفيز الإدراجات قد تكون الحافز الذي يحتاجه سوق الأسهم في مصر. لكنه يحذر من أن الصورة التي صممت بها هذه الحوافز هي التي ستحدد مدى استدامة موجة الطروحات الأولية القادمة، أو إذا كانت محض إعادة لسيناريو التسعينيات. واسترجع هلال ذكريات هذه الفترة قائلا: “في الأيام الأولى لسوق رأس المال، عندما أرادت الحكومة تشجيع الإدراجات، قدمت كثيرا من الحوافز، لا سيما الحوافز الضريبية”.

“ما أدركه الجميع بمرور الوقت هو أن الكثير من هذه الشركات أدرجت أسهمها ليس لسبب سوى الحصول على الإعفاء الضريبي، لا من أجل السيولة أو التداول النشط”، حسبما أوضح هلال. وكانت النتيجة متوقعة، وفق كلماته، إذ سحبت الحكومة تدريجيا كثيرا من تلك المزايا. وهذه المرة، يتوقع هلال نهجا أكثر توازنا يكافئ المشاركة الحقيقية بدلا من الإدراجات الانتهازية.

ويجادل هلال بأن الوضوح الضريبي ينبغي له أن يجسد حجر الزاوية لأي حملة إدراج جديدة. واقترح أن المعاملات التي لا تدر عوائد نقدية — مثل مبادلة الأسهم أو إعادة هيكلة الشركات استعدادا للطرح العام الأولي — لا ينبغي أن تؤدي إلى التزامات ضريبية فورية. وأضاف: “إذا تمت المعاملة على أساس غير نقدي، فلا ينبغي أن تكون هناك ضرائب، أو على الأقل يجب تأجيل الضرائب أو إلغاؤها وفقا لمعايير معينة”. وأضاف أن فرض ضرائب على “المعاملات الجافة” يثني الشركات عن إعادة الهيكلة لتصبح كيانات جاهزة للطرح العام الأولي.

تذكر- صرح مسؤول حكومي رفيع المستوى لإنتربرايز مؤخرا بأن صانعي السياسات يعملون على حزمة حوافز ستلغي ضرائب الأرباح الرأسمالية المخطط لها سابقا، وتستبدلها بضريبة دمغة موحدة بنسبة 0.125% لجميع المستثمرين، وتشمل حوافز للأسهم غير المدرجة. وأوضح المصدر أيضا أن الأرباح الناتجة عن الإدراجات الجديدة ستكون معفاة من الضرائب.

كذلك دعا هلال إلى معاملة ضريبية موحدة للشركات القابضة، قائلا إن مشهد الشركات في مصر لا يزال يعاني من “تسربات ضريبية” عبر الشركات التابعة. وأوضح أن إلغاء تعدد مستويات فرض الضرائب على توزيعات الأرباح سيجعل إعادة الهيكلة أكثر كفاءة، لا سيما بالنسبة للمجموعات العائلية التي تحول الشركات ذات المسؤولية المحدودة إلى شركات مساهمة قبل الطرح العام الأولي.

وحتى مع وجود حوافز، أقر هلال بعدم استعداد جميع الشركات هيكليا للأسواق العامة؛ لأن الأمر لا يقتصر على التنظيم والسياسة الضريبية، بل يمتد أيضا إلى جاهزية الميزانيات العمومية وأطر حوكمة الشركات، التي تعد متفاوتة عبر القطاعات. وقال إن ما نحتاجه هو تحديد “القطاع المناسب، والشركة المناسبة، والحجم المناسب، والتقييم المناسب”.

وتشكل هذه الركائز الأربع، وفق هلال، القائمة المرجعية لجذب رأس المال الأجنبي مرة أخرى إلى البورصة المصرية. واستشهد بقطاعات الرعاية الصحية والصناعة والخدمات والقطاع المالي والتكنولوجيا المالية بوصفها قطاعات تضم المرشحين الواعدين. وأشار أيضا إلى أن القاعدة التصنيعية في مصر — “المستمرة منذ أكثر من 100 عام” — توفر أساسا لقصص نجاح صناعية قوية، في حين أن الأسماء المعروفة في مجال الرعاية الصحية وخدمات المستهلك يمكن أن تجذب اهتماما كبيرا من جانب المستثمرين.

ومع ذلك، قد يكون الدمج ضروريا لتهيئة بعض الشركات كي ترقى إلى حجم يصلح للطرح العام الأولي. وفي حين تفضل الشركات العائلية عادة النمو التشغيلي، قال هلال إن وجود مستثمري الاستمار المباشر يغير في الغالب تلك العقلية نحو عمليات الدمج والاستحواذ، وهي ديناميكية من شأنها أن تسرع الإدراجات في السنوات القادمة.

ويمثل التحول النقدي الأخير عاملا رئيسيا أيضا. فقد أدت أسعار الفائدة القياسية في مصر — التي اقتربت في بعض الأحيان من 30% — إلى تجميد الاستثمار طويل الأجل، فقد اختارت الشركات والمستثمرون أدوات قصيرة الأجل ومنخفضة المخاطر. وطرح هلال تساؤلا: “هل سأقترض بفائدة 30% لتمويل نفقات رأسمالية طويلة الأجل؟ ربما لا”. وبالمثل، عندما يتمكن المستثمرون من كسب أكثر من 20% دون مخاطرة، “فلماذا تخاطر بالاستثمار في الأسهم العامة؟”. والآن، مع تباطؤ التضخم واتجاه أسعار الفائدة نحو الانخفاض، تتغير الحسابات. وأوضح: “مع انخفاض أسعار الفائدة، يصبح المناخ ملائما بدرجة أكبر أمام الشركات التي ترغب في بدء الاستثمار على المدى الطويل. وسيبدأ المستثمرون في الانجذاب نحو الاستثمارات الأكثر خطورة ذات القدرة على تحقيق عوائد أعلى”.

وبرغم نشاط السوق الأخير، لا يزال هلال قلقا بشأن تكوين السيولة في البورصة المصرية. إذ قال: “75-85% من التداول اليومي ينفذه مستثمرون أفراد. هناك سيولة، لكن لا يوجد عمق”. وأوضح أن المستثمرين الأفراد يميلون إلى أن يكونوا مدفوعين بالأخبار وبالاستثمارات قصيرة الأجل، ويركزون على التداول بدلا من القيمة طويلة الأجل. وفي الوقت نفسه، انخفضت المشاركة الأجنبية إلى أقل من 10%.

“من أجل أن يعمل السوق بشكل جيد… تحتاج إلى مستثمرين أفراد من أجل السيولة وحجم التداول، ولكنك تحتاج أيضا إلى مستثمرين متوسطي وطويلي الأجل، مثل مديري الأصول، وشركات تأمين، وصناديق المعاشات التقاعدية”، بحسب هلال. وستحمل إعادة بناء هذا التوازن واستعادة ثقة المؤسسات الأجنبية أهمية كبيرة في ظل استعداد مصر للمزيد من الطروحات العامة الأولية في السوق. وقال هلال إن المعيار يجب أن يكون طروحات لا تقل قيمتها عن 200 مليون دولار، وهي كبيرة بما يكفي لجذب المؤسسات العالمية وإرسال إشارة بالعمق للمستثمرين في الخارج.

ومن أجل معالجة الفجوات الهيكلية في السيولة، تستعد البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية لتقديم المشتقات والبيع على المكشوف، وهي خطوة يعتقد هلال أنها قد توسع بشكل ملموس مجموعة أدوات السوق. وقال: “كلما زادت المنتجات المالية لديك، زاد العمق والسيولة التي تحصل عليها”. ومن شأن المشتقات، على وجه الخصوص، أن تسمح للمستثمرين بالتحوط من المخاطر والتعبير عن وجهات نظر السوق دون التعرض المباشر للأسهم الأساسية. وفي حين ستستهدف المنتجات بشكل أساسي المستثمرين المؤسسيين، أشار هلال إلى أن المستثمرين الأفراد سيستفيدون استفادة غير مباشرة عبر هياكل صناديق جديدة ومنتجات ذات تحوط يديرها مديرو الأصول.

وعلى المستوى الكلي، يرى هلال أن جاذبية مصر للمستثمرين الأجانب تكمن في ثلاث جوانب مترابطة: القاعدة الاستهلاكية، وإحلال الواردات، والقدرة التنافسية التصديرية. “مصر لديها أكثر من 100 مليون مستهلك”، حسبما أوضح. ومع تباطؤ التضخم وتوقع تعافي الدخل المتاح للإنفاق، يمكن أن يصبح الطلب المحلي محركا رئيسيا للنمو. بالإضافة إلى أن ما يكمل الصورة هو تحسُّن القدرة التنافسية من حيث التكلفةا، وهو ما سيدعم بدوره إحلال الواردات والنمو القائم على التصدير. وقال هلال: “لعبة التصدير مدفوعة بهياكل تكلفة تنافسية، وميزة جغرافية، واتفاقيات تجارية قائمة مع أوروبا والولايات المتحدة وأفريقيا”. كذلك من المنتظر أن تستمر الصناعات التي تدر إيرادات بالعملة الأجنبية بطبيعتها — مثل الخدمات اللوجستية والموانئ والسياحة — في الاضطلاع بدورها التحوطي ضد تقلبات العملة.

ولا يزال العديد من المستثمرين الأجانب ينظرون إلى برنامج صندوق النقد الدولي بوصفه حجر الزاوية لمصداقية الإصلاح في مصر. ومع ذلك، جادل هلال بأن المرحلة الحالية من الإصلاح المالي والهيكلي مملوكة محليا. “كما قالت الحكومة، إنه برنامج مصمم محليا بدعم من صندوق النقد الدولي”، وفق هلال، الذي أوضح إن ضبط المالية العامة المستمر، وإلغاء الدعم، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، تشكل جميعها علامات على اتجاه سياسي “إيجابي للغاية” يجب أن يستمر بعد الاتفاق الحالي. وفي حين أن التحكم في سعر الصرف سابقا “لا يزال حاضرا” في أذهان المستثمرين، فإن تحركات سعر الصرف الأخيرة تشير إلى صدق تعويم العملة، حسبما قال هلال. وأضاف: “لقد رأينا الجنيه يقوى ويضعف مقابل الدولار بناء على التدفقات. وهذا يعطيك مؤشرا على أن هذا لا يُدار بهذه الطريقة”.

وفيما يتعلق بخطط الطروحات الحكومية، يتوقع هلال إدراج كثير من الشركات المدعومة من الدولة قبل يونيو 2026. وقال إن الحديث الأخير عن شركات محددة ستطرح أولا لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه حصري، إذ يجري إعداد العديد من الأصول للسوق بالتوازي. ويكمن التحدي، كما هو الحال دائما، في التقييم وتوقعات التقييم. ووصف هلال عملية التقييم بأن جزءا منها “قائم على العلم وجزءا آخر قائم على الخبرة الفنية”، التي تسترشد بتقييمات المستشارين الماليين المستقلين، ولكن تحددها في النهاية معنويات المستثمرين والمقاييس المقارنة.

ومن أجل نجاح الطروحات، يحث هلال على “ترك القليل من المال على الطاولة”، مشيرا إلى أن تسعير الطروحات العامة الأولية مع إمكانية الصعود يبني الثقة ويدعم صحة السوق على المدى الطويل. وأضاف: “دع الناس يجنون المال ويحققون عوائد. كن طامعا في تحقيق المكاسب على المدى الطويل بدلا من محاولة تعظيم المكاسب في اليوم الأول”. وأضاف أن المستثمرين المؤسسيين سيقارنون الإدراجات الجديدة في السوق المصرية بالنظراء المحليين والإقليميين، مع المقاربة وفق النمو وديناميكيات السوق ومضاعفات الأرباح. وقال: “لا يمكنك فقط أن تأخذ ما يجري تداوله في سوق أخرى وتطبقه. تحتاج إلى التعديل لذلك”.

أما بالنسبة لشركة سي أي كابيتال، فقال هلال إن الشركة لديها “قائمة كاملة ومتنامية” من تفويضات الاكتتاب العام الأولي المتوقع طرحها في السوق خلال الـ 12 شهرا القادمة. ويتوقع أن يمثل عام 2026 تحولا واضحا في أسواق رأس المال في مصر. وأوضح: “نعتقد أن عام 2026 سيكون عاما جيدا. نحن بحاجة إلى تجاوز تجارة الفائدة والعودة إلى الأسهم”.