😊 هل تساءلت يوما عن سر السعادة؟ حسنا، إنه ببساطة.. الطيبة. أن يكون الإنسان لطيفا مع غيره، وأن يستقبل هو ذاته أفعالا وكلمات طيبة ولطيفة، هذا هو ما يجعل المرء سعيدا، حسبما أشار تقرير السعادة العالمي 2025 (بي دي إف) الصادر عن مركز أبحاث الرفاهية بجامعة أوكسفورد. هذا التقرير الذي أعد بالشراكة مع مؤسسة جالوب وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة وشمل 147 دولة، لم يأت بنتائج صادمة أو مفاجئة على الإطلاق، لكنه يؤكد الدور الذي يلعبه اللطف في حياتنا، والذي يتجاوز بكثير ما يتصوره الناس عنه.
من الأسعد، ومن الأتعس؟ لا تزال دول الشمال الأوروبي الأسعد على الإطلاق، إذ تتربع فنلندا على عرش التصنيف باعتبارها أسعد دولة في العالم، تليها الدنمارك وأيسلندا بفارق ضئيل، ثم السويد. الفجوة بين الدول السعيدة والأقل سعادة صادمة، فعلى مقياس من 1 إلى 8، سجلت أفغانستان أدنى درجة سعادة في التاريخ عند 1.4 نقطة فقط. وتواجه النساء الأفغانيات ظروفا أكثر صعوبة، إذ بلغ متوسط درجاتهن 1.2 نقطة فقط. بينما سجلت الدول الأربع الأعلى سعادة درجات تراوحت بين 7.3 و7.7.
في سابقة لم تحدث من قبل، لم تصنف أي من الدول الصناعية الكبرى ضمن أسعد 20 دولة، وهي الولايات المتحدة وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة. الدول الصناعية الغربية عموما أقل سعادة مما كانت عليه سابقا، إذ أظهرت 15 دولة انخفاضات ملحوظة، كما تراجعت معدلات السعادة لدى كل من الولايات المتحدة وسويسرا وكندا بأكثر من نصف نقطة.
اللطافة مهدور حقها: يشير التقرير إلى أننا لا ندرك حقا مدى طيبتنا، إذ أسقط الباحثون عمدا محافظ نقود في شوارع العالم، وكانت معدلات إرجاعها أعلى بكثير مما توقعه الأفراد. هذه النتيجة مهمة للغاية، فسعادتنا لا تعتمد فقط على مدى لطف الناس في الواقع، بل على مدى حسن ظننا فيهم. حسن الظن في الآخرين وتوقع الطيبة واللطف منهم يعد مؤشرا أقوى بمرتين تقريبا من أعمالنا الصالحة في حد ذاتها.
الوحدة تعصف بالشباب: تاريخيا، كان البالغون ما بين 45 عاما وأكبر هم الأكثر شعورا بالوحدة والعزلة الاجتماعية، ولكن يبدو أن هذه المعادلة قد تغيرت. في عام 2023، أفاد 19% من الشباب بعدم وجود شخص يمنحهم الدعم المعنوي، بزيادة قدرها 39% عن عام 2006. والأسوأ أن 1.7 مليون شاب آخر يعانون من الانفصال والاغتراب الاجتماعي كل عام. تواجه اليابان تحديا كبيرا بشكل خاص، إذ يعيش أكثر من 30% من شبابها في عزلة اجتماعية. تشترك الولايات المتحدة واليابان وأستراليا في نمط غير عادي، يقوم على شعور الشباب بأنهم أقل ارتباطا بالآخرين وأكثر عزلة، مقارنة بكبار السن الذين يتوقع أن يشعروا بهذا الأمر مع تقدمهم في العمر.
العيش والملح هو الحل: خلص التقرير إلى أن الأشخاص الذين يتشاركون وجبات الطعام بشكل متكرر أكثر سعادة بكثير، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الثقافة أو الدين. تتصدر السنغال العالم في مشاركة الوجبات، إذ يتشارك سكانها نحو 12 وجبة مع الآخرين أسبوعيا. فيما تبلغ أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية أعلى المستويات بشكل عام، بينما تأتي دول جنوب وشرق آسيا على النقيض. وفي ذيل القائمة تأتي دولتا بنجلاديش وإستونيا بمتوسط 3 وجبات فقط في الأسبوع.
الطيبة تنقذ العالم: يؤدي الشعور بالتعاسة في أقسى وأعنف صورها إلى نتائج مثل الانتحار وإدمان الكحول وتعاطي جرعات زائدة من المخدرات. وقد رصد التقرير ما وصفه بـ “الوفاة نتيجة اليأس” في 59 دولة، ووجد أن تزايد السلوكيات الاجتماعية الإيجابية — كالتبرع والتطوع ومساعدة الغرباء — يرتبط ارتباطا وثيقا بانخفاض عدد حالات الوفاة من هذا النوع.
ماذا عن مصر؟ تحتل مصر المركز 135 من بين 147 دولة في الرضا عن الحياة، وهي من بين الدول التي شهدت أقل معدلات تراجع في مستويات السعادة. ما يجعل نتائجنا مثيرة للاهتمام (والحيرة أيضا) هو الفجوة بين انخفاض مستوى السعادة والنسيج الاجتماعي القوي بشكل ملحوظ. أقل من 10% من شبابنا أفادوا بعدم وجود علاقات وروابط إنسانية قريبة منهم، فيما أكد أكثر من 90% وجود شخص واحد على الأقل يشعرون بالقرب منه. وبينما يظهر الاتجاه العالمي تراجعا في التواصل الاجتماعي بين الشباب، فإن مصر واحدة من ثلاث دول فقط (إلى جانب المكسيك والهند) تشهد تحسنا في جودة التواصل بين الشباب.
العمل الخيري في مصر يعكس نهجا أوسع: بينما تحتل مصر مرتبة قريبة من القاع في نسبة التبرعات الخيرية الرسمية، إذ تأتي في المركز 143 في نسب التبرعات والأخير في مجال التطوع، فإنها تقع في المركز 38 في مساعدة الغرباء بشكل مباشر، وهي نسبة أعلى بكثير مما تشير إليه أرقام الجمعيات الخيرية الرسمية. لكن هذا ليس بالأمر الغريب في منطقتنا العربية، إذ تعد المساعدة الشخصية الفورية أكثر شيوعا من التبرعات المؤسسية. فالمصريون على استعداد لمساعدة المحتاجين مباشرة دون وساطة أو منظمات رسمية.
بصيص أمل: يظهر التقرير أن عدم المساواة داخل الدول قد ازداد بمقدار الربع خلال العقدين الماضيين. ومع زيادة فجوة المساواة، يتزايد الانعزال الاجتماعي. لكن يبقى اللطف بين البشر عاملا يتمتع بمرونة ملحوظة، إذ أثارت جائحة كوفيد-19 طفرة دائمة في تقديم المساعدة، بما يجعل السلوكيات الطيبة بين البشر أعلى بنسبة تزيد عن 10% من مستويات ما قبل الجائحة عالميا، في إشارة إلى أن الأزمات يمكن أن تبرز أحيانا أفضل ما فينا. بالنسبة لدول مثل مصر، تشير النتائج إلى أن الروابط الاجتماعية القوية — حتى في ظل الظروف الصعبة — يمكن أن توفر مرونة حقيقية في مواجهة قسوة الحياة.