? إذا كان الإنترنت قد بات مسرحا للاستقطاب الأيديولوجي، فإن الذكاء الاصطناعي يحمل في طياته خطر ترسيخ استقطاب أكثر قتامة وواقعية بين الطبقات الاجتماعية. فمع دخولنا مرحلة جديدة من تطوير الذكاء الاصطناعي، تشير التنبؤات إلى مستقبل يتسم بزيادة حدة التفاوت بشكل أكثر غلظة ووضوحا من أي وقت مضى.
كيف كنا، وإلى أين نتجه؟ كانت الهوية الاجتماعية تتشكل في الماضي بناء على معايير الدخل والتعليم والعمل، ولاحقا بمدى قدرتنا على الوصول إلى التكنولوجيا، بيد أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي سيصبح قريبا أحد معايير الطبقات الاجتماعية، إن لم يكن المعيار الوحيد. يحذر نيكولاي تانجين رئيس صندوق الثروة السيادي النرويجي (الأكبر في العالم بقيمة تريليوني دولار) من أن الذكاء الاصطناعي قد يوسع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية حول العالم، بحسب ما ورد في في مقابلة له مع فايننشال تايمز. ثمة احتمال لانقسام المجتمعات، واحتمال حقيقي لانقسام العالم بين الدول التي تستطيع تحمل تكلفته وتلك التي لا تستطيع، بحسب تاجن.
أكثر من 85% من دول العالم لا تمتلك استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى فجوة تتسع قبل أن تتشكل حتى القواعد التنظيمية الأساسية، بحسب الأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات، دورين بوجدان مارتن. كما أن 2.6 مليار شخص ما زالوا خارج الشبكة الرقمية بالكامل، وفق مارتن، ما يجعل غياب الاتصال أصلا من جذور المشكلة. الإبقاء على هذا الانقسام الرقمي يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى عنصر حاسم يعيد إنتاج، بل وربما مضاعفة، عدم المساواة على المستوى العالمي.
بدأت ملامح التفاوت تتجسد بالفعل في اختلاف الطرق التنظيمية حول العالم. فالولايات المتحدة مثلا تتبنى الذكاء الاصطناعي بشكل سريع، مقابل التنظيمات الأوروبية الثقيلة التي تبطئ عملية الاعتماد، بحسب تانجين، مؤكدا أن الميل إلى الإفراط في التنظيم قد يعرقل نمو الاقتصاد الأوروبي. ولم تتجاوز نسبة الشركات الأوروبية التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي 13.5% حتى عام 2024، بينما بلغت الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة 109 مليارات دولار في العام الماضي، أي ما يقرب من 12 ضعف استثمارات الصين و24 ضعف استثمارات المملكة المتحدة، وفقا لدراسة المفوضية الأوروبية.
الفجوة في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لن تقتصر على المشهد الجيوسياسي فحسب، بل ستتغلغل في أماكن العمل والمنازل والمسارات المهنية للأفراد، لأن الولوج إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مرهون بالتكلفة. وبينما تبقى برامج الدردشة الأساسية مجانية، فإن أقوى قدرات الذكاء الاصطناعي تتطلب اشتراكات مدفوعة. فعلى سبيل المثال، يبلغ اشتراك تشات جي بي تي برو 200 دولار شهريا، ويوفر وصولا إلى قدرات استدلالية متقدمة وبحوث موسعة وسرعة أولوية غير متاحة للمستخدم العادي.
التداعيات ستكون صارخة على العاملين في المستويات المبتدئة بشكل خاص. فقد يلغي الذكاء الاصطناعي نصف الوظائف في مستوىالمبتدئين بالمهن المكتبية خلال خمس سنوات، مما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، بحسب تحذير داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك. ويهدد هذا الوضع بتعطيل مسار التطور المهني التقليدي، فإذا لم يستطع العاملون الجدد الحصول على وظائف بسيطة، فلن يكتسبوا المهارات العملية اللازمة، ما يؤدي إلى آثار وخيمة، ويجعل جيلا كاملا محروما من الدخول إلى الطبقة المهنية قبل أن يبدأ مساره الوظيفي أصلا.
الفجوة في الإنتاجية والدخل الناجمة عن هذا التحول ربما تكون عميقة. فمكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تتركز لدى أصحاب الدخل الأعلى، في حين أن العاملين في الوظائف منخفضة الأجر والخدماتية واليدوية — وهم الأكثر محدودية في قدرتهم على الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي — هم الأقل استفادة من هذه التكنولوجيا، بحسب مركز بروكينجز. وإذا عزز الذكاء الاصطناعي أداء العمال الأعلى دخلا، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة غير متناسبة في دخولهم، وفق صندوق النقد الدولي. وهكذا يبدو أن الذكاء الاصطناعي في معظم السيناريوهات سيزيد على الأرجح من عدم المساواة العامة، وهو اتجاه مقلق ينبغي على صانعي السياسات التعامل معه بفاعلية حتى لا تفاقم التكنولوجيا التوترات الاجتماعية.
في عالم يتجه سريعا نحو هيمنة الأتمتة، سيغدو امتلاك القدرة على الوصول إلى الذكاء الاصطناعي معيار الثروة الجديد، سواء على مستوى الدول أو الأفراد. وسيتعين على الحكومات والمؤسسات العالمية التعامل مع التداعيات العميقة للتبني غير المتكافئ للتقنيات الجديدة، من اضطرابات سوق العمل إلى الإشكالات الجوهرية المتعلقة بالعدالة وتكافؤ الفرص. ومع الارتفاع المتزايد في تكلفة الوصول إلى النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، سيتحول رأس المال إلى الاستثمار في الأتمتة على حساب البشر غالبا، إذا ما استرشدنا بمسار التاريخ الاقتصادي. فالفئات القادرة ماديا ستواصل، وقد بدأت بالفعل، توسيع اعتمادها على قدرات الحوسبة الذكية بدلا من العمل البشري في كل شيء، من هندسة البرمجيات إلى الحملات الإبداعية وحتى تشغيل المصانع، مع تفضيل دائم للحلول الآلية الأعلى إنتاجية.
في الحضيض إلى الأبد: يغذي هذا التحول المخاوف المتزايدة من أن الذكاء الاصطناعي يهدد أساس سوق العمل، مولدا طبقة دنيا محكوم عليها بالبقاء في موقعها دون أي فرصة للترقي، وهو تصور يحلله كايل تشايكا في مقاله على النيويوركر. هذا الطرح يلقى رواجا على الإنترنت، يتأرجح ما بين المزاح والقلق الحقيقي من مستقبل قد تعيد فيه الأتمتة رسم خريطة عدم المساواة، وفق تشايكا، الذي يرى أن مخاوف الطبقة الدنيا الدائمة تعبر عن واقع مفاده أننا لم نبلور بعد رؤية متماسكة لبنية المجتمع في زمن الهيمنة الكاملة للذكاء الاصطناعي.
هذا السيناريو ليس بعيدا كما قد يعتقد البعض، فهناك احتمال أن نصل إلى الذكاء الاصطناعي العام بحلول عام 2027، ويليه الذكاء الاصطناعي الفائق بعد فترة وجيزة، حسبما تشير دراسة استشرافية حول الذكاء الاصطناعي أعدها فريق من الباحثين، من بينهم دانيال كوكوتايلو الموظف السابق في شركة أوبن أيه أي. ورغم تفاوت التقديرات واعتراض بعض الخبراء على التخيل الزمني المقترح، يتصور السيناريو نقطة يتحول فيها الذكاء الاصطناعي إلى كيان قادر على أتمتة تطوير نفسه ضمن حلقة فيد باك مستقلة. وقد توقع الرؤساء التنفيذيون لشركات أوبن أيه أي وجوجل ديب مايند وأنثروبيك جميعا أن يظهر الذكاء الاصطناعي العام خلال السنوات الخمس القادمة.
صرنا نعيش اليوم في زمن بات فيه التنبؤ بأي شيء بلا جدوى، وأصبح علينا أن نوجه تركيزنا على المرونة والثقافة وإعداد المجتمعات لمواجهة المستقبل، بحسب تانجين. لكن بغض النظر عن دقة هذه التوقعات فإنها تطرح سؤالا مهما: في ظل تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، من سيظل متخلفا عن الركب؟