? رائد الأسبوع — رائد الأسبوع فقرة أسبوعية كل ثلاثاء، نتحاور خلالها مع أحد المؤسسين عن كيفية النجاح في مجتمع الشركات الناشئة في مصر، كما نعرف المزيد عن تجربته في إدارة الأعمال التجارية ونصائحه لرواد الأعمال الناشئين. يتحدث إلينا هذا الأسبوع ياسين عصفور (لينكد إن)، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة بايت بلس.
اسمي ياسين عصفور، وأنا المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة بايت بلس المتخصصة في تكنولوجيا الصحة، والتي تسعى إلى إتاحة الرعاية الوقائية للجميع من خلال تقديم برامج صحية مخصصة قائمة على البيانات للمؤسسات، بما يساعد موظفيها على تبني أسلوب حياة أكثر صحة عبر تجارب تفاعلية تعتمد على تقنيات التلعيب.
أكثر من 80% من الوفيات في مصر ناتجة عن أمراض مزمنة يمكن الوقاية منها، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. ويواجه الموظفون أصحاب الأعمال المكتبية خطرا أكبر للوفاة بسبب قلة الحركة. نقدم خدماتنا لهؤلاء الموظفين عبر الشركات، إذ نرصد المؤشرات الحيوية المهمة ونحللها من خلال فريق طبي متخصص، ثم نضع خططا دقيقة لكل فرد لتساعده على تغيير نمط حياته. نحضر المختبر إلى منازلهم لإجراء تحاليل الدم والفحوص المختلفة، ونستخدم أجهزة قابلة للارتداء لمتابعة معدل ضربات القلب والنوم والحركة. يحصل فريقنا الطبي من أطباء وأخصائيي تغذية وعلاج طبيعي على هذه البيانات لوضع برامج وجبات وبروتوكولات مكملات وبرامج رياضية مناسبة لكل فرد. أفضل ما في الأمر كله أن الخدمة تعتمد على عنصر التنافس، مما يسمح للموظفين بالتسابق لتحقيق أهدافهم في التمارين والسعرات والنوم والتعافي.
الرعاية الصحية عادة تكون رد فعل بعد وقوع المشكلة. ما نحاول فعله في بايت بلس هو تحويلها إلى ممارسة استباقية، فلا يجب أن ننتظر حتى نمرض لنحسن صحتنا. خدمتنا تجري الفحوصات المبكرة لاكتشاف المشكلات قبل ظهورها. نجمع عدة مؤشرات عبر أجهزتنا القابلة للارتداء، مثل معدل ضربات القلب أثناء النهار وأثناء النوم. لاحظنا مع أحد الموظفين مثلا أن معدل ضربات قلبه أثناء النوم كان مرتفعا بشكل غير طبيعي، فحولناه إلى طبيب قلب ليتبين أنه يعاني مشكلة قلبية. ولو ظل الأمر دون اكتشاف لبضع سنوات أخرى، لكان معرضا لجلطة قلبية.
التأمين الصحي التقليدي ينتظر حتى تمرض ثم يقدم لك العلاج. هذا النهج يكلف الحكومة كثيرا، وكذلك يكلف الشركات التي تمول الرعاية الصحية، وبالطبع يثقل كاهل الأفراد وعائلاتهم. وهنا يأتي دور الرعاية الصحية الوقائية، فنحن نبدأ مبكرا بدلا من انتظار ظهور المشكلات الصحية.
لم أكن أعرف ما علي فعله لدخول السوق، وجرت الأمور بمحض صدفة. أثناء عملي في تجارة الأزياء ضمن نشاط العائلة، حاولنا تقديم حوافز لجذب الكفاءات بخلاف الرواتب، فأطلقنا برنامجا للعناية بالصحة الجسدية والنفسية. طلبنا من 30 موظفا تحميل تطبيقات لقياس الخطوات والسعرات وجودة النوم، وكانوا يرفعون البيانات على نموذج جوجل شيت. كانت البداية بدائية للغاية، لكن التفاعل كان مذهلا. خلال ساعة واحدة من فتح التسجيل للمجموعة الثانية، امتلأت جميع المقاعد الثلاثين المخصصة، وشارك الموظفون طوعا دون إجبار. وتحولت المقاعد الثلاثين إلى 60 ثم 90، حتى وصلنا إلى 120 موظفا. وعندما وجدنا أن الموظفين سعداء بالبرنامج ورأينا تحسنا حقيقيا، بدأنا نفكر في تقديم هذه الخدمة لشركات أخرى. يكمن السر في استمتاع الموظفين بالخطوة الأولى وكأنها لعبة، ثم يأتي العلم بعد ذلك.
لا توجد منافسة حقيقية داخل السوق المصرية، وهذا ليس مؤشرا جيدا بالضرورة، إذ أن وجود منافسين عادة ما يؤكد وجود سوق فعلية. ورغم وجود منافسة إقليمية، فنحن نسعى في مصر لتقديم رعاية مختلفة بالكامل، انطلاقا من قناعة بأن مستقبل الرعاية الصحية يقوم على الوقاية، وأن الأطباء لن يتمكنوا من تقديم دعم فعال دون بيانات آنية عن المرضى. ما نعمل عليه هو بناء بنية تكنولوجية متكاملة للمرضى، ومنصة رقمية تمكن الأطباء من إدارة صحة الأفراد بصورة استباقية. إذا نجحنا في تطوير أداة تخدم هؤلاء الأطباء — وهو ما تحقق بالفعل — فنحن واثقون من إمكانية تقديمها لمجتمع الرعاية الصحية بوجه عام.
عرفت أننا نسير في الاتجاه الصحيح عندما صدرت نتائج فحوصات تركيب الجسم لأول دفعة شاركت في البرنامج. إذ أظهرت الغالبية تراجعا في الدهون الحشوية المعروفة بارتباطها الوثيق بالأمراض المزمنة أو تحسنا في الكتلة العضلية، أو تحقيق كلاهما معا. إلى جانب ارتفاع ملحوظ في مؤشرات جودة النوم، وارتفاع متوسط عدد الخطوات بأكثر من 50%. وعندما بدأ المشاركون يتهمون بعضهم بالغش من خلال ربط الساعات الذكية بالمراوح لاحتساب خطوات إضافية، أو إعطاء الأجهزة لأبنائهم لتحقيق نشاط أعلى، أدركنا أن مستوى التفاعل جيد للغاية. وعلى المستوى الشخصي، شعرت بالنجاح عندما أخبرني أحد الموظفين أنهم يدعون لي بسبب ما أحدثه البرنامج من تغيير في حياتهم وحياة أسرهم. كانت تلك لحظة مؤثرة بشدة أكدت لي أننا نبني أثرا يتجاوز بكثير ما تصورناه.
أرى أننا سنصبح حلقة رئيسية بين الرعاية الصحية والناس خلال خمس سنوات. سنكون عنصرا أساسيا في نقل البيانات والرؤى بين الفرق الطبية والمستخدمين، بل وبين الأفراد عموما وليس المرضى فقط، لأن الهدف هو تحسين صحة الناس والوقاية من المرض. سيتحقق ذلك عندما نصل إلى مرحلة نقدم فيها قيمة واضحة للمستخدم النهائي، سواء كان مريضا يتابع حالته أو رياضيا، وكذلك لمقدمي الرعاية الصحية في ما يخص إدارة ملفات مرضاهم. نحن نعتمد على الذكاء الاصطناعي لصياغة المعلومات وتحويلها إلى خلاصات عملية، بحيث لا يضطر الأطباء إلى إضاعة وقت كبير في قراءة آلاف التقارير.
هناك أمور أود تغييرها في قطاع الرعاية الصحية، وأولها تقليل التركيز على الربح السريع. فالقطاع الصحي من المستشفيات إلى شركات الأدوية يعتمد بشكل كبير على تحقيق الأرباح. المطلوب هو مواءمة الحوافز بين المنظومة الصحية والأفراد، وهي مواءمة غائبة في الوقت الراهن.
أيضا يجب تحويل النظام الصحي من نموذج يتعامل مع المرض بعد حدوثه إلى نموذج استباقي يمنع المرض قبل ظهوره. مصر مثلا من أعلى الدول في معدلات الإصابة بالسكري حتى بين الأطفال، فلو استطعنا توفير أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة بأسعار مناسبة لمن يعانون السكري أو ما قبل السكري أو من لديهم قابلية للإصابة، لتمكن الأطباء من متابعة الارتفاعات الخطرة وتقديم نصائح حول الأكل والنوم والحركة قبل أن تتفاقم الحالة. صحيح أن الجهاز قد يكلف بضعة آلاف من الجنيهات، لكن مريض السكري سيدفع أضعاف ذلك لعلاج المضاعفات، ناهيك عن الأثر القاسي الذي تتحمله الأسرة إذا تعرض المريض لمضاعفات خطيرة أو توفي.
أود كذلك تغيير طريقة معالجة البيروقراطية لحركة البيانات. نحن نتعامل مع بيانات شديدة الحساسية، لذا فوجود بروتوكولات صارمة للخصوصية أمر ضروري. لكن عندما تعقد الجهات التنظيمية الإجراءات بدرجة كبيرة، يصبح الابتكار في السوق شبه مستحيل. المطلوب هو بناء بنية تحتية تحمي البيانات وفي الوقت نفسه تسمح بالتطور.
الصعوبات التكنولوجية كلها قابلة للحل، مثل كيفية جمع البيانات وتنظيمها وتبسيطها وتحويلها إلى معلومات مفهومة للمستخدم. لكن أصعب جزء في عملي أنني مصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، ومع كثرة المشتتات اليوم، تصبح محاولات التركيز مرهقة جدا. أحاول دائما أن أضع نصب عيني ما أريد أن أصل إليه خلال خمس سنوات، وأن أتعامل مع المشكلات وسط هذا الضجيج. وليس ذلك بالأمر السهل، إنها معركة صعبة. أشعر بامتنان كبير لفريقي، فهم ينجحون في التعامل مع هذه الفوضى وتوجيهي من دون يتسببوا في إحباطي، وهو أمر أقدره كثيرا.
أدين بالفضل لزوجتي في مساعدتي على إيجاد توازن بين الحياة الأسرية والعمل، إذ لا يمكنني القول إنني أمضي في ذلك على النحو المطلوب على الإطلاق. عند تأسيس مشروع خاص، يجد المرء نفسه مضطرا دائما للتنازل عن أجزاء من مختلف جوانب حياته. أحاول أن أخصص وقت الصباح لقضاء الوقت مع زوجتي وابني، وإذا نجحت في ذلك، فإن الفضل كله يعود لها وليس لي.
آخر كتاب قرأته كان The Comfort Crisis لمايكل إيستر، والذي يناقش كيف أن الحياة الحديثة أزالت جميع أشكال الصعوبات الجسدية والذهنية والبيئية، مما جعلنا أضعف وأكثر توترا وعرضة للأمراض المرتبطة بأسلوب الحياة. حل المشكلات أصبح أقل بسبب التطبيقات والذكاء الاصطناعي، وصارت حياتنا اليوم مصممة لتجعل كل شيء متاحا فورا وبلمسة زر دون أي حركة. أسلافنا كانوا يتحركون بمعدل 14 ضعف ما نتحرك اليوم، وقلة النشاط العقلي والبدني يتسبب في ضعف مرونة الدماغ العصبية. هذا أمر مهم جدا لي لأننا نسعى لمعالجة هذه المشكلات الصحية، ونساعد الناس والشركات على الحركة أكثر، والنوم بشكل أفضل، ونحاول إعادة برمجة أدمغتهم. المفتاح هنا هو الانتقال من التلبية الفورية للرغبة إلى الإشباع المؤجل، بالضبط كما كان يعيش أسلافنا. فلم يكن كل شيء متاحا لهم مباشرة، بل كان عليهم الانتظار والعمل بجد للحصول عليه.
لو لم أبدا مشروع بايت بلس، لكنت بالتأكيد أساعد والدي أو والدتي في أعمالهم، فلطالما شعرت بأن لدي واجبا أخلاقيا تجاههما. وفي سيناريو آخر، لربما عشت على جزيرة أتناول طعاما من مزرعتي وأعزف الموسيقى وأصمم الأثاث، وأستيقظ مع شروق الشمس وأستريح عند الغروب. لكن سأترك هذا الحلم للجنة.
لو عدت بالزمن لنصحت نفسي عند التفكير في هذا المشروع بأن أبدأ مبكرا، وأن أفشل بسرعة، وأن أطرق أكبر عدد ممكن من الأبواب. ستندهش من الخير الوفير خلف أي من هذه الأبواب، وقد يكون أحدها الذي لم تتوقع أن تدخله. فقد طرقت بابا ظننت أنه مغلق تماما، واتضح أنه كان يحمل لي أعظم المفاجآت والنعم.
لو استطعت أن أقدم نصيحة لرواد الأعمال الشباب، فسأنصحهم بأن يتحلوا بالعزيمة وأن يكونوا مثابرين. ريادة الأعمال من أصعب الألعاب الذهنية على الإطلاق، وتتطلب صبرا وإيمانا راسخا بالفكرة التي تعملون من أجلها. العزيمة هي مزيج من المثابرة والشغف طويل الأمد، لذا يجب أن تكونوا واثقين للغاية من أهدافكم ومستعدين للعمل الجاد لتحقيقها. ثانيا، تحركوا بسرعة كبيرة، ليس بسبب المنافسة، بل لتتعلموا بسرعة. يمكنكم التعلم كل يوم، ومعظم رواد الأعمال الذين قابلتهم دائما يقولون كان بإمكاننا التعلم أسرع، واتخاذ خطوات معينة أسرع. وثالثا، تحلوا بالتواضع. ستظن أحيانا أنك وصلت للقمة، ثم تكتشف بسرعة أن هناك الكثير لتتعلمه. لكن مع هذا التواضع، لا تفقدوا الثقة بالنفس. أحب قول ذلك لأنني أحتاج لسماعه أكثر من أي شخص آخر.