? تعد المسميات الوظيفية من أكثر البيانات غير المتسقة في قواعد بيانات العاملين، بحسب شركة فيسيير لتحليلاتالقوى العاملة. التصنيفات غالبا ما تكون عامة وفضفاضة للغاية، وتصبح قديمة بسرعة في سوق عمل تتغير بوتيرة غير مسبوقة. غياب التوحيد هذا يخلق عوائق أمام الاعتراف بالمهارات عبر القطاعات المختلفة، ويجعل من الصعب على أصحاب العمل والمؤسسات التعليمية وصناع السياسات توحيد الجهود المتعلقة بتنمية القوى العاملة. وينشأ عن هذا التشتت ما يصفه الباحثون ببرج بابل، حيث تبدو بيانات كل شركة كأنها تتحدث لغة مختلفة.

التصنيف هو الحل: من خلال وضع تصنيفات مصممة بشكل جيد، يمكننا منح أسماء أكثر دقة للوظائف وفهما أعمق لما تعنيه المسميات الحالية فعليا. كما يمكن تحديد مدى قابلية المقارنة بين الوظائف عبر الشركات أو الصناعات بدرجة عالية من التثبت، استنادا إلى تحليل منهجي مدفوع بالبيانات بدلا من الاعتماد على مسميات اعتباطية. ويسمح هذا النهج بإجراء مقارنات جوهرية لتركيبة القوى العاملة، تكشف بوضوح ملامح الاستراتيجية الفعلية لكل مؤسسة.

ما أهمية ذلك؟ اعتماد التصنيف القائم على الأنشطة يتيح التفرقة — على سبيل المثال — بين خبير الاقتصاد الكلي الذي يختص بالتنبؤات، وخبير الاقتصاد الجزئي الذي يركز على نجاح العملاء، وخبير الاقتصاد القياسي الذي يطور خوارزميات التسعير، وخبير اقتصاد الأعمال الذي يحلل بنية الأسواق. صحيح أن جميع هذه الوظائف ترتكز على مؤهلات اقتصادية، إلا أن طبيعة العمل اليومي والمهارات المطلوبة وحجم التأثير في الأعمال تختلف اختلافا جوهريا. تقوم أنظمة تصنيف الوظائف أصلا على تقييم الواجبات والمسؤوليات والنطاق والتعقيد الوظيفي لتحديد التصنيف الملائم، بدلا من الاكتفاء بالمسمى الوظيفي.

لماذا يعد هذا الأمر مهما للمستثمرين؟ تعد استراتيجيات التعويضات في الشركات أداة فعالة في يد المستثمرين خلال مرحلة الفحص النافي للجهالة، إذ تساعدهم على قياس نضج الإدارة واستقرار التشغيل مثلا، بحسب دراسة أجرتها شركة أورا لتحليل بيانات القوى العاملة في عام 2025. كمثال، إذا أعلنت شركة أنها تستثمر بقوة في الذكاء الاصطناعي بينما تعرض رواتب أدنى من مستوى السوق لمتخصصي القطاع، فهذه إشارة مقلقة. أما إذا اتجهت إلى توظيف كوادر صغيرة الخبرة بدلا من باحثين متمرسين، فهذه دلالة على الفجوة بين طموحاتها المعلنة وما تخطط له فعليا.

فهم موقع الشركة على خريطة الأجور في السوق مسألة مهمة للمستثمرين، فالإفراط في تعويضات الإدارة أو الموظفين يستنزف موارد كان يمكن استثمارها في دفع عجلة النمو، في حين أن تدني الرواتب يرفع احتمالات تغير الموظفين بما قد يعطل العمليات ويقوض استقرارها. ومع اعتماد تصنيفات مهنية موحدة، يصبح بمقدور المستثمرين قياس تعويضات الشركة لمجموعات مهارية محددة مقارنة بمنافسيها، واستشراف مخاطر خسارة الكفاءات قبل أن تنعكس في تقارير نتائج الأعمال.

القوى العاملة تمثل في الغالب أكبر استثمار لدى الشركة وأكثر أصولها أهمية، ومن حق المستثمرين أن يكون بين أيديهم بيانات تمكنهم فعلا من تقييم هذا الاستثمار. بدون هذه البيانات، سيبقى الحال على ما هو عليه، فالجميع يقدم تقارير ولا أحد يفهم، والمستثمرون يضطرون لاتخاذ قرارات بملايين الدولارات اعتمادا على أرقام لا يمكن مقارنتها أو التحقق منها أو تحليلها بصورة سليمة.

ماذا بعد؟ بدأت الجهود الرامية إلى توحيد المعايير على مستوى العالم بالفعل، لكنها لا تزال مشتتة وغير كافية. وقد أصبح معيار أيزو 30414، الذي نشر في عام 2018، أول معيار دولي للإفصاح عن رأس المال البشري، إذ قدم إرشادات تشمل 58 مؤشرا ضمن 11 مجالا رئيسيا، من بينها التنوع والقيادة والثقافة التنظيمية وتوافر القوى العاملة. وكان هذا الإطار الطوعي ثمرة عمل ممثلين عن أكثر من خمسين دولة، وصمم ليكون قابلا للتطبيق على مختلف المؤسسات بمختلف أحجامها، على أمل أن يتحول إلى لغة موحدة عالمية لتقارير القوى العاملة.

اتبع الاتحاد الأوروبي نهجا أكثر صرامة في تنظيم التقارير. فتوجيه الإفصاح عن الاستدامة في الشركات الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2023 يلزم الشركات بالإبلاغ عن أكثر من 30 مؤشرا يخص القوى العاملة ضمن المعايير الأوروبية لإعداد تقارير الاستدامة (إي إس أر إس إس 1). ويعد هذا التوجيه إلزاميا وواضحا في متطلباته، مع فرض غرامات قد تصل إلى 10 ملايين يورو أو 5% من الإيرادات السنوية في حال عدم الالتزام. ولا يقتصر تطبيقه على الشركات الأوروبية الكبرى، بل يمتد أيضا إلى الفروع الأوروبية التابعة لشركات غير أوروبية بحسب معايير معينة، ما يفرض التزامات إفصاح تمتد عبر الحدود.

طور مجلس معايير محاسبة الاستدامة معايير متخصصة لنحو 77 قطاعا، وكانت الموارد البشرية أحد الأبعاد الخمسة الأساسيةللاستدامة في هذه المعايير. وبعد اندماجه في مجلس المعايير الدولية للإفصاح المتعلق بالاستدامة عام 2022، أصبحت هذه المعايير جزءا من معايير الإفصاح المستدام الخاصة بالمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية. أما المجموعة الاستشارية الأوروبية للإبلاغ المالي فتعمل على تطوير المعايير الأوروبية لإعداد تقارير الاستدامة وتسعى إلى مواءمتها مع الأطر الدولية، رغم أن التنسيق بين الجانبين ما زال معقدا.

هنا تكمن المعضلة: رغم ما في هذه المبادرات من تطور، فإنها تتحرك في مسارات متباينة. فكل منظومة تعتمد منهجيتها الخاصة، وتمنح الأولوية لمجموعة مختلفة من العناصر، وتستهدف شرائح متنوعة من أصحاب المصلحة. وبالنسبة للشركات العابرة للحدود، ينقلب هذا التباين إلى أزمة امتثال معقدة. إذ قد تجد الشركة التي تعمل في السوق الأمريكية وتملك شركات تابعة داخل الاتحاد الأوروبي وتتعامل مع مستثمرين من مختلف أنحاء العالم، أنها مطالبة في وقت واحد بالامتثال لقواعد هيئة الأوراق المالية الأمريكية والمتطلبات الأوروبية والأطر الطوعية مثل أيزو 30414، بما يحول التقارير إلى عبء تنظيمي متعدد الطبقات.

تتواصل الجهود الدولية الرامية إلى مواءمة هذه الأطر، إذ تعمل مختلف الهيئات على تطوير آليات تجعل المعايير قابلة للتوافق والتكامل. ومع ذلك، يبقى التقدم بطيئا. وفي الوقت الراهن يظل المستثمرون وأرباب العمل والموظفون الذين يسعون لمقارنة الأدوار أمام تحد جوهري. فالمعلومات كثيرة، والقدرة على المقارنة محدودة، والفائدة شحيحة على مستوى دعم اتخاذ القرارات الاستراتيجية.