? التقارير المالية ليست كل شيء: في عالم الشركات، أتقنا إصدار التقارير المالية وفن الإفصاح المالي، وابتكرنا لغة موحدة تمكن المستثمرين من مقارنة البيانات عبر مختلف الصناعات والأسواق. لكن عندما نتحدث عن رأس المال البشري، الذي يعد أكبر وأثمن أصول الشركة، فهناك فجوة واضحة في اللغة.

رأس المال البشري في الصدارة: منذ عام 2020، باتت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تلزم الشركات المتداولة بالإفصاح عن معلومات شاملة حول مواردها البشرية، بما في ذلك المقاييس والأهداف المتعلقة بإدارة القوى العاملة. وقد مثل هذا الإجراء خطوة نوعية مقارنة بالمتطلبات السابقة التي اقتصرت على الإبلاغ عن عدد الموظفين. تعكس أيضا إدراكا متناميا لأهمية رأس المال البشري كعامل جوهري في نجاح الشركات، مع تزايد مطالبة المستثمرين وأصحاب المصلحة بمزيد من الشفافية حول كيفية إدارة الشركات لقواها العاملة.

أين تكمن المشكلة؟ الشفافية دون معايير موحدة يمكن تشبيهها بالبيانات المالية التي تصدرها كل شركة وفق قواعد محاسبية مختلفة. فمع غياب نموذج واحد للإفصاح، تعدل كل شركة تقاريرها بحسب ما تراه مهما لنشاطها، ما يؤدي إلى صعوبة مقارنة الشركات ببعضها، بحسب تحليل استمر أربع سنوات أجرته شركة جيبسن دان لإفصاحات رأس المال البشري في شركات مؤشر ستاندرد أند بورز 100.

تعد المسميات الوظيفية من أكثر البيانات غير المتسقة في قواعد بيانات العاملين، بحسب شركة فيسير لتحليلات القوى العاملة. التصنيفات غالبا ما تكون عامة وفضفاضة للغاية، وتصبح قديمة بسرعة في سوق عمل تتغير بوتيرة غير مسبوقة. ويخلق غياب التوحيد عوائق أمام الاعتراف بالمهارات عبر القطاعات المختلفة، ويجعل من الصعب على أصحاب العمل والمؤسسات التعليمية وصناع السياسات توحيد الجهود المتعلقة بتنمية القوى العاملة. وينشأ عن هذا التشتت ما يصفه الباحثون ببرج بابل، حيث تبدو بيانات كل شركة كأنها تتحدث لغة مختلفة.

من هو الاقتصادي؟ رغم أن اللقب يبدو محسوما للوهلة الأولى، فإن الصورة على أرض الواقع أكثر تعقيدا. ففي أمازون، يعمل ما يقرب من 150 اقتصاديا من حملة الدكتوراه بحسب صفحاتهم المهنية على طيف واسع من القضايا التطبيقية. ويشمل ذلك تصميم الأسواق ووضع استراتيجيات التسعير وإعداد التوقعات وتقييم البرامج وصولا إلى الإعلانات الرقمية. ومنهم من يطور نماذج مخاطر للإقراض الموجه للبائعين من الأطراف الثالثة، ومنهم من يقدم الاستشارات في تصميم المنتجات وقياس تفاعل المستخدمين لأجهزة مثل أليكسا. أما في أي بي إم، فيتولى الاقتصاديون إعداد تحليلات شاملة تدرس كيف يمكن للتوترات الجيوسياسية أن تعيد تشكيل بيئة العمليات في دور أقرب إلى محللين صناعيين أو صحفيين متخصصين. وفي شركات أخرى، يندمج الاقتصاديون في أدوار هجينة تجمع بين علم البيانات واستشارات دعم العملاء، لمساعدة الشركات على تفسير بيانات المستخدمين وإنتاج محتوى تسويقي عن اتجاهات الأسواق.

رغم أن هذه الوظائف تتشارك العنوان نفسه والخلفية التعليمية ذاتها، فإن مقارنة بيانات القوى العاملة عبر الشركات قد تفضي إلى استنتاجات مضللة تماما بشأن ما تقوم به كل شركة فعليا. فالمستثمر الذي يحلل عدد الاقتصاديين في شركة ما قد يخلص خطأ إلى أنها تبالغ في الإنفاق على البحث، بينما يقود هؤلاء الموظفون في الحقيقة جهود الحفاظ على العملاء وتعزيز المبادرات التسويقية.

تشكل ميتا نموذجا واضحا يبرهن على أن الأرقام المجردة، حين تنتزع من سياقها، تفضي إلى قراءة خاطئة لدى المستثمرين. فالشركة تعلن أن 75% من قوتها العاملة من المهندسين، لكن الرقم في حد ذاته لا يخبرنا بشيء. إذ لا يمكن فهمه من دون معرفة طبيعة المهام التي يضطلع بها هؤلاء، من هندسة الواجهة الأمامية والخلفية إلى البنية التحتية وتطوير المنتجات وأبحاث الذكاء الاصطناعي وهندسة التطبيقات. وغياب هذا التصنيف الدقيق يجعل الرقم عديم الجدوى في التحليل المقارن، فضلا عن أن دلالاته التجارية تختلف جذريا بحسب نوع العمل. وبدون خريطة تصنيف واضحة، يعجز المستثمرون عن تقييم ما إذا كانت استثمارات الشركة في كوادرها الهندسية تنسجم فعلا مع أولوياتها الاستراتيجية المعلنة أم لا.

يكمن الحل في الابتعاد عن المسميات الوظيفية الاعتباطية واعتماد تصنيفات قائمة على الأنشطة الفعلية. فبدلا من التسليم باللقب الذي تختاره أي شركة، تبني التصنيفات المهنية الحديثة منهجها من القاعدة إلى القمة عبر تحليل جوهر العمل وما يتضمنه من مهام. ويمكن أن يخلق إطار موحد لتعريف الأدوار الوظيفية والمهارات والكفاءات عبر الإدارات المختلفة لغة مشتركة تسهم في مواءمة الرؤية ليس فقط بين المستثمرين والشركات، بل أيضا بين القيادات والموظفين داخل المؤسسة، بحسب تحليل للتصنيفات المعيارية أجرته شركة تالنت جارد.

ترقبوا الجزء الثاني من فقرة "على الطريق" غدا، إذ نستكمل ما بدأناه من خلال تقديم قراءة معمقة لمفهوم التصنيف المبني على الأنشطة، وما سبب أهميته، وكيف يوفر قيمة مضافة للمستثمرين، فضلا عن دوره في تعزيز كفاءة وفعالية بيئات العمل.