? "عندما تعجز الكلمات عن التعبير، يأتي دور الموسيقى": كل ما هو حولنا ينبض بالألحان التي تكشف نفسها لمن ينصت جيدا. في هذه الفقرة من نشرة الويك إند، نستعرض مرة كل شهر حكاية ألبوم أو مطرب، أضاف إلى هذا العالم الساحر بفنه وأنغامه. من البوب والسول والبلوز والروك وغيرها نهيم حول العالم منصتين إلى موسيقاه. واليوم نتعمق في واحدة من أشهر أغنيات الجاز التي تجاوزت حاجز اللغة والزمن: Autumn Leaves.

البداية مع لحن لن يتكرر: عام 1945، لم يدرك الملحن المجري جوزيف كوزما أن مقطوعته الموسيقية التي لحنها لعرض باليه بعنوان "لو رانديفو" ستصبح أنشودة تتغنى بها الإنسانية كلها تقريبا عبر العصور. كتب الشاعر والمؤلف الفرنسي جاك بريفير هذا العرض، وعندما سمع ما أبدعه كوزما، أعجب باللحن كثيرا فقرر كتابة كلمات واحدة من أجمل الأغنيات المرتبطة بفصل الخريف. كتبت الأغنية تحت اسم Les feuilles mortes (الأوراق الميتة)، وسجلها المطرب الفرنسي إيف مونتان عام 1949 لتكون مثالا على موسيقى الشانسونالفرنسية، والتي تمثل اتجاها في الغناء يركز على الكلمات والحالة الوجدانية أكثر من اللحن. باعت نسخة مونتان نحو مليون نسخة، ومع ذلك لم تكن هذه هي الانطلاقة الحقيقية للأغنية الشهيرة.

بكل لغات العالم: ترجمت الأغنية بعد ذلك إلى الإنجليزية تحت اسم Autumn Leaves، وكانت مطربة البوب جو ستافورد أول من سجلتها عام 1950. ثم غنتها إيديث بياف باللغتين الفرنسية والإنجليزية في العام ذاته، قبل أن يغنيها الأمريكي نات كينج كول عام 1957 بالإنجليزية في واحدة من أشهر نسخ الأغنية حول العالم، ثم يسجلها بعد ذلك بالفرنسية واليابانية. منذ حينها، تعد الأغنية واحدة من أكثر أغنيات الجاز التي أعيد تسجيلها بأكثر من 1400 نسخة، على أيدي فنانين مثل فرانك سيناترا وإريككلابتون ولويس أرمسترونج وإيدي هيجينز، والأخير ارتجل بشكل مبهر ليقدم تراك جاز يقتبس من الأصل على طريقته الخاصة.

أنشودة للحب والفقد والحياة: كلمات الأغنية تؤطر لحالة شعورية جبل الإنسان على التعرض لها. الحبيب الذي يفقد حبيبه، فتمر الأيام ويظن أنه قد تجاوزه، فقط ليكتشف في لحظة معينة أن ذكراه لا تزال عالقة بقلبه ووجدانه. ترسم الأغنية هذه الصورة من خلال تناقضات فصول السنة، فالصيف الزاهي بتفاصيله وصخب الحياة فيه كان الشاهد على قصة الحب وذكرياته، فيما يحمل الخريف إيذانا بعودة الذكريات السعيدة التي تبدو وكأنها وقعت قبل زمن بعيد، فيقضي المرء أيامه مستعيدا ماضي حبه.

تقبل الواقع والمضي قدما لا يعني بالضرورة تجاوز الشجن والحنين إلى الماضي، وهو ما تبرزه كلمات الأغنية مع اللحن الذي يكملها. فالحياة تمضي وتتعاقب الفصول والوجوه، ومع ذلك يستمر الحنين إلى الحب القديم. "لكنكلهما عميمنع أشتاقلك،ما دامكل سنة فيه خريف تقتبس فيروز حالة الأغنية الأصلية، وتضفي إليها عمقا يصل لقلب المستمع العربي عبر كلمات وألحان الابن الراحل زياد الرحباني. يصف رحباني ذكرى المحبوب في هذه الأغنية بنسمة الهواء الخفيفة التي تعلن عن نفسها بلطف مع قدوم الخريف. الذكرى لدى فيروز ليست مأساة أو حالة شجن أليمة، بل لمسة حانية تجود بها الحياة على قلبها فتتذكر محبوبها بصدق.

لا تقتبس فيروز الحالة الوجدانية الأصلية أو تكتفي بتقبل الأمر الواقع فحسب، بل تتمنى أن يفكر المحبوب فيها وتطلب منه أن يبادلها نفس شعور الحنين، فلا يهم ما سيحدث بعد ذلك، ولكن تبقى المعرفة بأن حبك القديم يشتاق إليك أيضا مؤنسة وفيها عزاء كاف. موسيقى الرحباني في نسخة 2002 من الأغنية تتسم برتم أسرع مقارنة بالنسخ الأصلية الأقدم، ويبدع فيها باستخدام البيانو في إضافة ما يشبه سولو الجاز الذي يمنح الأغنية حيوية ملحوظة.

بعض الأغنيات يزيدها عامل الوقت جمالا ورقة وعذوبة، وهذه الأغنية إحداها بالطبع. هذا اللحن اللطيف يمكن دندنته بسهولة أثناء التجول في الشارع، أو الرقص عليه ليلا برفقة صديق أو حبيب في أجواء حميمية، أو التأثر به أحيانا عندما يكون المرء وحده ويتخذ اللحن إيقاعا أكثر حزنا. ارتبطت الأغنية بفصلي الخريف والشتاء من كل عام، لذا يصبح من السهل تماما أن يتماهى معها المستمع. وبصرف النظر عن اللغة التي يسمعها بها، سيشعر من يستمع إليها بالتأكيد أنها تخاطبه هو على وجه التحديد، وكأن كلماتها كتبت خصيصا لتصف تجربته الخاصة. وهذا هو منبع تفردها وجمالها، فهي أكثر الأغنيات عالمية وأكثرها خصوصية في الوقت ذاته.

أين تستمتعون إليها: أبل ميوزك | أنغامي | سبوتيفاي | ديزر | ساوند كلاود | يوتيوب ميوزك.