🎥 دخل الربيع يضحك لقاني حزين”: ببوستر مبهج يعتمد على الألوان الزاهية والورود المشرقة، وباسم مقتبس عن قصيدة شعر حزينة من رباعيات صلاح جاهين، يقدم فيلم ” دخل الربيع يضحك ” تناقضات الحياة وأحزانها ومفارقاتها الصعبة عبر شهور العام. الفيلم من تأليف وإخراج نهى عادل في أول أعمالها الروائية الطويلة، وقد حصد 4 جوائز في مهرجان القاهرة السينمائي عام 2024 وسط إشادة واسعة من المشاهدين والنقاد على حد سواء.

يقص الفيلم أربع حكايات مختلفة: الأولى حكاية شهر يونيو، وأبطالها سيدة مسنة وابنتها المطلقة وجارها وابنه المغترب. والثانية حكاية مايو، وبطلاتها صديقات في منتصف العمر خلال عيد ميلاد إحداهن. والثالثة حكاية أبريل، وتدور في كوافير حريمي بين مجموعة من السيدات. والرابعة حكاية مارس، وبطلتها عروس وأمها وصديقاتها في يوم زفافها. ولأن أجمل ما في هذا العمل هو السرد القصصي للحكايات الأربع، سنكتفي بهذا الوصف تجنبا لإفساد متعتكم.

ركيزة الفيلم الأساسية هي الحوار الأقرب إلى الارتجال، فالحكايات الأربع التي يسردها تمثل لمحة قصيرة من حياة بطلات العمل. لا نعرف الكثير من ماضيهن سوى ما يخبرننا به في حضرة الموقف، وهو كاف للغاية لتكوين تصور معقول عن شكل حياتهن والطبقة الاجتماعية التي ينتمين إليها والصراعات التي يخضنها. وفي هذا يكمن جمال الفيلم الحقيقي، إذ يجعل المشاهد قادرا — خلال هذا الاشتباك القصير — على التعاطف مع الشخصيات التي يراها أمامه، وكأنه يألفها منذ سنين.

الفيلم يمنح المشاهد عدسة مقربة، يختلس النظر من خلالها إلى مواقف عابرة في حياة مجموعة من السيدات. هذه المواقف تمثل لكل منهن لحظة فارقة في حياتها، فيشهد التصاعد الدرامي في الأحداث والصريخ والزعيق رويدا بطريقة حكي ذكية تحافظ على انتباهه طوال العمل. الحكايات كلها تحكى خلال فصل الربيع، والذي — بعكس ألوانه الزاهية وأجوائه التي تودع انقضاء الشتاء بكآبته وترحب بالصيف وعنفوانه — يمثل وقتا تنكشف فيه الأسرار وتهدم فيه العلاقات.

الحكايات الأربع التي يرويها العمل يرافقها دائما صوت دافئ في الخلفية لعبد الحليم حافظ وليلى مراد وصباح وشادية وفيروز، لتقدم حكايات تروى بالتوازي في خلفية المشهد، تكمله وتضيف إليه. اختيار الأغنيات — التي نعتبرها بطلا من أبطال الفيلم — يمنح النساء بقصصهن العادية حضورا مسرحيا عاطفيا، بموسيقى تصويرية ترافقهن وكأنها تغنى لهن بالتحديد. المواقف العادية التي تقتبسها عادل في هذا الفيلم تحدث تقريبا كل يوم، من صراعات وسوء تفاهم وخلافات بسيطة تتحول إلى عداوات وقطيعة لا تنتهي. اختيار ممثلات ووجوه غير مألوفة ومواهب خام جديدة أضاف إلى واقعية الفيلم كثيرا، فقدمت بطلات العمل جميعهن بعفوية وصدق أداء منعشا وجديدا لا ينسى.

يختم الفيلم أحداثه بحوار بسيط بين اثنين من أبطاله: هل قال فريد الأطرش في أغنيته الشهيرة الربيع “ويبعت في الربيع طيفه أم صيفه“؟ سوء الفهم اللطيف الذي لا يرقى لكلمة خلاف حتى، والذي ظل يتردد حتى أسدل الفيلم ستاره، لمس قلوبنا بشكل خاص، ليصبح من المشاهد التي ستحفر في أذهاننا لفترة طويلة.

“دخل الربيع يضحك” يمثل نسمة خفيفة منعشة، تمنح محبي السينما استراحة من الحكايات المكررة المصطنعة، وتقدم لهم نظرة واقعية على الحياة كما هي: قاسية وعبثية وحالمة في آن واحد.

أين تشاهدونه: يعرض الفيلم في سينما زاوية يوميا، مع نقاش بصحبة صناع العمل بعد عرض السابعة مساء غد السبت، يديره المخرج أحمد عبد الله. (شاهد التريلر، 1:14 دقيقة)