تستفيد ليجاسي، التابعة لشركة حسن علام القابضة والمسؤولة عن تشغيل المتحف المصري الكبير، من خبرتها العميقة في الهندسة والإنشاءات والاستثمار لتقديم نموذج جديد في إدارة المواقع التاريخية وتحويلها إلى وجهات مستدامة وجاذبة عالميا. تقود هذا التحول ميريت السيد، الرئيسة التنفيذية لشركة ليجاسي. وفي حوار مع إنتربرايز، توضح السيد كيف تنقل الشركة صرامة إدارة المشروعات إلى مهمة أكثر حساسية تتمثل في صون الأصول الثقافية، وتشرح البعد الاقتصادي للتجربة، وتحديات تنسيق جهات متعددة، وما ينتظر مشاركة القطاع الخاص مستقبلا في حماية تراث مصر.

إنتربرايز: ما أكثر ما فاجأك منذ افتتاح المتحف المصري الكبير؟

ميريت: أكثر ما فاجأنا هو حجم الطلب. كنا نتوقع أرقاما مرتفعة في أوقات معينة فقط، لكن ما نشهده هو معدل ذروة مستمر طوال الوقت. الأعداد الحالية أعلى بكثير مما توقعناه رغم أننا نغلق المتحف مبكرا بالنسبة لبيع التذاكر. أستطيع القول إن الطلب لا يقل عن ضعف أو ثلاثة أضعاف توقعاتنا. الأمر الآخر هو الإقبال المحلي. لطالما أردنا جذب السوق المصرية، وكنا نعلم بوجود اهتمام، لكن لم نتوقع أن يتحول بهذا الحجم وبهذه السرعة، سواء من خلال الرحلات المدرسية أو الزوار القادمين من المحافظات خارج القاهرة.

إنتربرايز: ما السبب وراء هذا الإقبال الهائل؟

ميريت: التغطية الإعلامية كانت قوية جدا محليا ودوليا، وحفل الافتتاح كان مميزا، ولدينا مجموعات أثرية ينشغل بها العالم كله. قطاع السياحة كان في اتجاه صعود قبل الافتتاح، ونحن الآن نلتقط هذا الزخم ونعزز تأثيره. إنها سلسلة مترابطة من العوامل، وما يحدث الآن هو نتيجة طبيعية لذلك.

إنتربرايز: كيف تتكيف ليجاسي مع هذا الإقبال مع الحفاظ على تجربة عالمية المستوى؟

ميريت: كانت فترة الافتتاح التجريبي طويلة وهذا أتاح لنا الوقت لوضع سيناريوهات متعددة. لم نكن نتوقع أن نلجأ إلى خطة ثالثة أو رابعة، لكن هذا ما حدث بالفعل. أجرينا بعض التعديلات، لكن في المجمل نحن ننفذ خططا كانت معدة مسبقا. قمنا بتغيير بعض نقاط الدخول وتطبيق الحجز الموقّت وغيرها. نحن نتفاعل بشكل سريع، ولكن دائما بالاستناد إلى خطة شاملة جاهزة. لولا فترة التجريب الطويلة لكان الأمر أكثر تعقيدا.

إنتربرايز: ما نوع تعليقات الزوار حتى الآن؟ وكيف ترصدوهاا؟

ميريت: لدينا عدة أدوات لجمع التعليقات. نتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي ومراجعات جوجل. هناك أيضا استبيانات داخل الموقع وتعليقات المرشدين السياحيين. يسعدني أن معظم التعليقات إيجابية. في الأيام المزدحمة قد يشتكي البعض من الازدحام، لكن بشكل عام الحماس كبير والناس سعداء برؤية هذه المجموعات أخيرا.

إنتربرايز: تحدثتِ عن تحدي التنسيق بين جهات مختلفة مثل التذاكر والأمن والتموين. كيف يتم هذا التنسيق؟

ميريت: ليجاسي تدير المتحف من خلال نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص. هذا النموذج يختلف عن شراكات البنية التحتية التي اعتادت حسن علام القابضة العمل عليها. في تلك المشروعات يتولى القطاع الخاص الاستثمار ثم تحصل الحكومة على الناتج النهائي، بينما في المتحف توجد عدة جهات تشارك في التشغيل اليومي. الحكومة مسؤولة قانونا عن بيع التذاكر وتأمين القطع الأثرية وأعمال الترميم والإشراف العلمي. أما بقية التشغيل فهو مسؤوليتنا. احتاج الجميع إلى وقت لفهم حدود الأدوار، لكننا وصلنا الآن إلى حالة من الانسجام.

إنتربرايز: ليجاسي اختارت الاستثمار في بناء كوادر محلية. ما الأثر على التوظيف؟ وكيف تبنون مهارات متخصصة؟

ميريت: دمج موظفي القطاع العام والخاص ليس سهلا. لكننا قمنا بتدريبات مشتركة وأنشطة لبناء الفريق بالتعاون مع سلطة المتحف. استعنا بمدربين عالميين في الضيافة وتجربة الزائر. عملية التوظيف كانت صعبة لأن لا يوجد نموذج مشابه لعملنا في مصر. بحثنا في صناعات متعددة لبناء أفضل فريق ممكن. لدينا تخصصات في التعليم والبرامج الثقافية والفنون والموسيقى والهندسة والتسويق وغيرها. موظفو التذاكر تحت إشراف الحكومة لكنهم يتلقون التدريب من فريق الضيافة لدينا. الهدف هو أن يؤدي كل طرف الدور الذي يجيده. كان التحدي هو جعل الجميع يشعر بالانتماء إلى منظومة واحدة رغم اختلاف المؤسسات، وأعتقد أننا نجحنا. لدينا أيضا شركاء ومقاولون مثل شركة Eden المتخصصة في إدارة المنشآت والتابعة لحسن علام القابضة.

إنتربرايز: كيف يقارن هذا الدور بمناصبك السابقة داخل المجموعة؟

ميريت: عملت على مشروعات كثيرة بأحجام ودول مختلفة، لكن لم أختبر شيئا شبيها بهذا. في أي منظمة كبيرة توجد أجزاء كثيرة تتحرك، والنجاح يعتمد على تحديد الأدوار بوضوح. ما يميز هذا المشروع هو حجم الفخر الذي يشعر به الجميع لإنجاح المتحف، من الإدارة العليا إلى عمال النظافة. هذا جزء من تاريخ حسن علام طوال أكثر من 90 عاما. بالنسبة لنا في ليجاسي، الأمر يتعلق بخدمة مصر ودعم خطتها السياحية.

إنتربرايز: كم يبلغ حجم فريقكم؟

ميريت:فريق ليجاسي يضم نحو 130 شخصا، لكن مع الأطقم الأخرى العاملة معنا نقترب من ألف فرد.

إنتربرايز: هل لديكم مشروعات جديدة قيد الدراسة في إطار الشراكة مع الحكومة؟

ميريت: نعم، ندرس عدة مشروعات، لكننا نكون حذرين للغاية. يجب أن تكون المشروعات مستدامة ماليا. المتحف المصري الكبير هو الوحيد في العالم بهذا الحجم الذي يحقق الاستدامة المالية دون دعم حكومي أو تبرعات. الحكومة ستتوقع نتائج مشابهة في أي مشروع جديد، ونحن لا نريد الدخول في مشروع لا نستطيع إضافة قيمة حقيقية فيه.

إنتربرايز: بعيدا عن التذاكر، ما هو مزيج الدخل لديكم؟

ميريت:التذاكر هي المصدر الأكبر. متجر الهدايا أيضا مصدر مهم. الفعاليات والبرامج التعليمية والأنشطة الثقافية تمثل جزءا رئيسيا. لدينا شركاء من القطاع الخاص مثل البنك الأهلي المصري وفودافون وأكسا وجو باص وفاين. نعمل على تطوير مصادر جديدة مثل مساحة العمل المشتركة بالتعاون مع "رايز أب". المتحف مكان ملهم ونريد أن يكون جزءا من حياة الشباب. تنظيم حوارات المتحف (GEM Talks) والمعارض والفعاليات المؤقتة مهم للحفاظ على تردد الزوار، سواء من منظور ثقافي أو مالي.

إنتربرايز: ماذا عن التكنولوجيا الجديدة داخل المتحف؟

ميريت: إدارة المبنى بالكامل تعتمد على التكنولوجيا. داخل القاعات توجد شاشات لمس وعروض رقمية وسرد تفاعلي. نحن أول متحف مصري يقدم أدلة صوتية، ولدينا تجربة واقع افتراضي تتيح للزائر رؤية كيفية بناء الأهرامات. التكنولوجيا تخدم التشغيل وتجربة الزائر معا. الاستثمار في هذا الجانب كان كبيرا وما زال مستمرا.

إنتربرايز: كيف ستحافظون على الزخم بعد انتهاء ضجة الافتتاح؟

ميريت: نعتمد على الحملات الحكومية الدولية، وسنطلق حملات خاصة بنا. نبني علاقات قوية مع منظمي الرحلات داخل مصر وخارجها للتأثير في مدة زيارة المتحف. أما محليا فنركز على ضمان وجود أسباب متجددة للزيارة دائما.

إنتربرايز: ما أكبر التحديات والفرص أمامكم؟

ميريت: إدارة الحشود هي التحدي الأكبر، لكنها أيضا أكبر فرصة. لدينا كنز جذب اهتمام الجمهور بشكل لم نتوقعه، والفرصة الآن هي كيفية البناء على هذا الاهتمام.

إنتربرايز: كيف تتعاملون مع إدارة الحشود؟

ميريت: نعمل على التحول إلى الحجز الإلكتروني، وتحديد فترات دخول، ومراقبة الحركة داخل المناطق المختلفة باستخدام عدادات وأجهزة استشعار لتكوين خريطة توضح كثافة الزوار. نحتاج إلى ستة أشهر أو سنة من البيانات قبل وضع خطة شاملة.

إنتربرايز: هل مددتم ساعات العمل؟

ميريت: نعم. القاعات تفتح حتى التاسعة مساء يومين أسبوعيا، والمجمع يبقى مفتوحا لفترة أطول قليلا. لدينا أيضا طلب متزايد على الزيارات الخاصة خارج ساعات العمل.

إنتربرايز: ما أكثر ما تحبينه في عملك؟ وما هو أثرك المفضل؟

ميريت: أحب التأثير الكبير المرتبط بهذا الدور، رغم مسؤوليته الضخمة. أحب العمل مع أشخاص شغوفين للغاية. أما القطعة المفضلة فهي توت عنخ آمون. كثير من القطع كانت معروضة سابقا في متحف التحرير، لكن طريقة العرض الجديدة تُحدث فرقا واضحا، وهذا أفضل مثال على قوة التسويق الجيد.