? "كتب يعقوب" تعد بالكثير من اللحظة الأولى: قبل أن تفتح صفحاته ستذهل على الأرجح من حجمه الضخم الذي قد يبدو مخيفا، وبمجرد تقليب الصفحات الأولى سيكشف لك عن تفرده وتميزه. صفحات رواية الكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك الضخمة مرقمة بشكل عكسي، إذ تبدأ من 962 وصولا إلى الصفحة رقم 1، وهو ما يعد إشارة للقيم المقلوبة التي ستتعرف إليها تدريجيا، والتي يروج لها بطل الرواية الساحر والمقلق.

مقتبس من شخصية حقيقية: يعقوب فرانك شخصية حقيقية لحاخام يهودي عاش في القرن الثامن عشر، وقد وصفه أحد الباحثين بأنه أكثر الشخصيات إثارة للقلق في تاريخ الحركات المسيحانية. ادعى فرانك أن نهاية الزمان قد حلت، وأن الأخلاق التقليدية يجب قلبها رأسا على عقب. وشجع أتباعه على انتهاك المحرمات الدينية، وتفاخر بتدنيس التوراة، وقاد في النهاية كثيرين منهم إلى الإسلام أولا ثم المسيحية. وقد عبده أتباعه واعتبروا أنه نبي، وسجلوا رؤاه في كتاب سمي "كلمات الرب".

الحبكة: وصف الرواية بأنها قصة يعقوب فرانك لا يعكس تماما ما تحاول توكارتشوك أن تقدمه للقراء. فبدلا من تتبع حياة فرانك بشكل زمني، ابتكرت مؤلفة الرواية لوحة مجزأة، مقاطع قصيرة تنتقل بين عشرات الشخصيات ووجهات النظر، ودمجتها برسائل ووثائق تاريخية وخرائط وصور. كما أن عدد الشخصيات هائل، من تلاميذ ونساء نبيلات ورجال دين وشعراء إلى أطباء وأساقفة، وكلهم يعانون من مشكلات مع المقامرة.

راوية العمل هي ينتا جدة يعقوب، والتي تبتلع تميمة سحرية فتعلق بين الحياة والموت. من هذا المنظور الكوني، لا تكتفي ينتا بمراقبة أحداث الرواية فحسب، بل تمتد رؤيتها لتغطي قرونا من التاريخ. تصفها توكارتشوك بأنها راوية من زاوية رابعة، فلا هي بطل القصة ولا إحدى شخصياتها ولا الراوي التقليدي، بل كيان قادر على تجاوز الرؤية الإنسانية الفردية لرصد الوحدة الإلهية المتجلية في كل شيء. قد يبدو الأمر معقدا، وهذا صحيح، لكن توكارتشوك — الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 2018 — لديها قدرة على التقاط التفاصيل الحية والمحددة، والمزج ببراعة بين الكوني والعادي بمهارة تشبه مهارة فحول الشعراء.

لكن لا يمكن إنكار أن قراءة هذه الرواية صعبة، فحجمها الهائل قد يثير إحساسا بالرهبة، وكثرة الشخصيات تجعل متابعة كل واحد منهم عملية شاقة. كما أن المناقشات اللاهوتية مكثفة، والبنية المجزأة للرواية تجبر القارئ على إعادة ترتيب الأحداث في ذهنه باستمرار. يظهر يعقوب في الرواية في لمحات متقطعة فقط، فهو شخصية ساحرة لكنها صعبة الفهم بشكل كامل، وكل ذلك مقصود بدقة. تسعى توكارتشوك لالتقاط شيء واسع وشامل، ليس مجرد قصة رجل واحد، بل شبكة مترابطة من الأرواح والمعتقدات والتواريخ التي تشكل عالما بأكمله، فتكتب عن أصغر التفاصيل وأكبر الأسئلة في الوقت نفسه.

هل تستحق القراءة؟ يعتمد ذلك على ما تبحث عنه. لا يعد هذا العمل نقطة البداية المناسبة لتوكارتشوك إذا لم تكن على دراية بأعمالها، وقد تفضل أولا تجربة رواية الجريمة " جر محراثك فوق عظام الموتى " أو الرواية الفلسفية " رحالة ". لكن "كتب يعقوب" تقدم شيئا نادرا هذه الأيام، فهي حدث أدبي حقيقي، رواية تخوض مخاطرات كبيرة وتنجح في معظمها. إنها نوع الروايات التي ستخضع للنقاش والتحليل لعقود، وتتطلب صبرا، لكنها تكافئ من يقدرها. ستشعر بالسعادة وأنت تقرأها، وستشعر بالراحة بعد أن تنتهي منها.

أين تقرأونه: يمكنكم الحصول على الترجمة العربية من خلال نيل وفرات، أو انتظار توفر النسخة الإنجليزية لدى مكتبة ديوان، أو شراء النسخة الإلكترونية من خلال أمازون.