? رائد الأسبوع — رائد الأسبوع فقرة أسبوعية كل ثلاثاء، نتحاور خلالها مع أحد المؤسسين عن كيفية النجاح في مجتمع الشركات الناشئة في مصر، كما نعرف المزيد عن تجربته في إدارة الأعمال التجارية ونصائحه لرواد الأعمال الناشئين. يتحدث إلينا هذا الأسبوع إبراهيم الغرباوي (لينكد إن)، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بت 68.
اسمي إبراهيم الغرباوي، وأنا المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بت 68، وهي شركة حلول برمجية متكاملة تهدف إلى تقديم قيمة حقيقية وبناء شراكات فعلية مع العملاء تتجاوز المتطلبات الشكلية. تخرجت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة من قسم هندسة الكمبيوتر، ودائما ما كنت شغوفا بالتكنولوجيا. أهم ما تعلمته في الجامعة هو الانضباط، تعلمت كيف أعلم نفسي، وكيف أبحث عن المشكلات وأجد لها حلولا، وهذا هو النمط الذي شكل طريقتي في التفكير.
بدأت مسيرتي المهنية قبل التخرج، إذ عملت مهندسا مستقلا في البرمجيات، ولم أسلك مسار العمل التقليدي في الشركات. في البداية كان هدفي العمل مبكرا لأتمكن من السفر خلال عطلات الشتاء والصيف. وقد طورت مهاراتي من خلال أنشطة خارج المنهج، وصممت محاكيا لسوق الأسهم. ومع الوقت بدأت أتولى المزيد من المشروعات تدريجيا حتى وجدت نفسي أعمل بشكل مستقل. وخلال تلك الفترة لاحظت فجوة في السوق، إذ ثمة غياب للتوجيه الاستراتيجي الذي يساعد العملاء على ترجمة رؤيتهم على أرض الواقع.
خضت مغامرة تأسيس بت 68 في لحظة لم تكن تعوقني فيها وظيفة أو التزامات مالية، بحكم أنني كنت لا أزال طالبا حينها. في تلك الفترة كان طموحي أن أصنع كيانا خاصا بي، خارج حدود النموذج المؤسسي التقليدي وما يرتبط به من قيود. واليوم، نكرس وجودنا لتقديم حلول برمجية مفصلة حسب احتياجات عملائنا، وقد أصبح فريق العمل يضم 70 مهندسا متميزا.
آنذاك، كان العملاء يتعاملون غالبا مع مبرمجين مستقلين أو شركات تطوير برمجيات لا تستوعب احتياجاتهم على النحو الأمثل. ومع الوقت تبين لي أن جوهر المشكلة يكمن أن العملاء ليسوا على دراية كافية بآليات المجال، كما أن المطورين يكتفون بتنفيذ التعليمات دون تجاوز حدود المطلوب. وهكذا كانت السوق تبحث عن طرف موثوق وواضح ويتسم بالشفافية، وهذا بالضبط كان نقطة انطلاقي الحقيقية.
ما يميز بت 68 أننا نساعد عملاءنا على تحديد ما يحتاجونه فعلا، لا ما يظنون أنهم يريدونه. من بين ما نقدمه لهم مساعدتهم على معرفة مدى نضج منتجاتهم، ونرافقهم في كل خطوة من الرحلة. لكننا لا نوقع عقود صيانة مؤقتة، بل اتفاقيات توكيل. لدينا عملاء بدأوا معنا منذ اليوم الأول، ونثق أنهم سيبقون معنا لخمسة أو حتى عشرة أعوام مقبلة.
في لحظة ما أدركت أن هذا هو مسار حياتي المهنية، وأنه لم يعد مجرد عمل جانبي، بل مستقبلي الفعلي. شعرت للمرة الأولى بالنجاح حين لم أعد قادرا على مواكبة حجم الطلب، من كتابة العروض إلى متابعة العملاء وغيرها، وكانت تلك مشكلة جيدة. يتجدد شعور النجاح في كل مرة نطلق فيها موقعا كبيرا ويظل يعمل بكفاءة أثناء فترات الضغط الشديد، إذ أن بعض عملائنا كانت مواقعهم تتعطل في مواسم مثل البلاك فرايداي قبل أن ينضموا إلينا.
حققت بت 68 نقلة كبيرة خلال السنوات الماضية، وما زلت أرى في الأفق مساحة واسعة للنمو. تطلعي هو أن تتحول الشركة إلى لاعب عالمي، وقد بدأنا بالفعل اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. فقد توسعنا إلى الإمارات، ونعمل على فتح أسواق جديدة في الخليج وأوروبا وجنوب أفريقيا، وأرى مستقبلا نكون فيه جزءا أساسيا من المشهد العالمي للتقنية. ومع التسارع الهائل في الذكاء الاصطناعي، نعمل على تجهيز فريقنا لاستيعاب موجة التحول القادمة، على أمل ترسيخ مكانتنا كأحد رواد السوق في هذا المجال.
شهد الاقتصاد تغييرات كبيرة منذ تأسيس بت 68، وبصراحة، استفاد قطاعنا من هذه التغييرات. خلال الأزمات الاقتصادية، خصوصا الجائحة وتخفيضات العملة، اتجهت الشركات العالمية إلينا كوسيلة لخفض التكاليف، وهذا ما دفعنا للتوسع خارج السوق المصرية. واليوم، يعد العملاء الدوليين مصدر 40% من إيرادات الشركة، ونسعى للحفاظ على هذا التوازن.
أحد الأمور التي أرغب في تغييرها في هذا القطاع هو أسلوب "تسليم المهام"، فغالبية المشروعات الكبيرة تدار وكأنها قائمة مهام يتبع فيها مقدم الخدمة ما يطلبه العميل فقط. أتمنى أن أرى المزيد من المطورين يعتمدون نهج البحث والتطوير، وأن يتعاملوا مع العملاء بروح أكثر تفاعلا ومشاركة.
أكثر ما يسعدني في إدارة بت 68 هو رؤية الشركات التي تتعاون معنا تكبر بفضل ما ننجزه لها. أشعر دائما بسعادة حقيقية عندما أرى اكتمال أحد المشروعات أو حل إحدى المشاكل أو طرح واحد من الحلول. لكن ما يدفعني للاستمرار فعلا هو رؤية المواهب الشابة تنمو لتصبح قادة مؤهلين. أما أصعب ما في الأمر فهو الحفاظ على التوازن بين الالتزام بالمواعيد والجودة والطموح.
بالحديث عن التوازن، لا أستطيع القول إنني أتبع نموذجا تقليديا للموازنة بين العمل والحياة. إذا نظرت إلى الأمور أسبوعا بأسبوع، ستجد فبالتأكيد أنني لا أحظى بتوازن مناسب. لكن إذا راجعت حياتي عاما بعد عام، يمكنني وقتها القول إنني أمتلك توازنا حقيقيا. طبيعة عملي موسمية، فهناك أشهر تعمل فيها على مدار الساعة، أخرى أحظى فيها بوقت فراغ إضافي، وهو ما يناسبني شخصيا. لم أكن أتمتع بهذه الأفضلية في الأيام الأولى، لكنني محظوظ الآن لأن لدي هذه المرونة.
معظم قراءاتي تقنية إلى حد كبير، وهناك كتاب أود أن أوصي به هو The Mythical Man-Month لفريدريك بروكس. يضم الكتاب سلسلة مقالات عن هندسة البرمجيات، ويتناول العديد من المشاكل التي نواجهها في بت 68، ولقد كان مصدرا رائعا للمعلومات.
لو كان لي أن أعود بالزمن، كنت سأجرب المسار التقليدي. هناك أمور تعلمتها من خلال التجربة كان بإمكاني تعلمها بسهولة لو بقيت في وظيفة بدوام كامل مع الشخص المناسب. وكنت لأبدأ جمع التمويلات في وقت أبكر بكثير، إذ كنت أقدم الحفاظ على كامل الحصص على النمو السريع، لكن لو قبلت الاستثمارات مبكرا، لكنا نمونا بشكل أسرع بكثير.
نصيحتي لرواد الأعمال الشباب أن يجدوا مشكلة حقيقية ويقدموا لها حلا فعليا. لا تبدأوا مشروعا لمجرد بدء عمل أو لمجرد الركوب على موجة رائجة.