🍵 حكاية المشروب الأخضر الذي غمر مقاهي القاهرة (والعالم) تتجاوز كونه مجرد مشروب رائج. الصعود الصاروخي للماتشا من مجرد شاي ياباني تقليدي إلى ظاهرة عالمية ينذر بنمط جديد في كيفية استهلاكنا للطعام والمشروبات في عصر السوشيال ميديا، خصوصا بعد أن قفزت مبيعاته في الولايات المتحدة وحدها بنسبة 86% خلال ثلاث سنوات فحسب، وتضخمت السوق العالمية للمشروب إلى 4.3 مليار دولار، مع توقعات بأن تتضاعف أكثر بحلول 2030. ومن 2024 إلى 2025، تضاعف متوسط سعر التينشا، وهي الأوراق الكاملة المستخدمة في صنع الماتشا، في مدينة كيوتو اليابانية ثلاث مرات تقريبا.

عند دخول أي مقهى في القاهرة حاليا، ستجد لاتيه الماتشا ينافس — إن لم يتفوق على — مشروبات القهوة التقليدية. وفي رمضان الماضي، ظهرت مشروبات وحلويات بنكهة الماتشا تنافس كل ما اعتدنا عليه في الماضي، مثل المهلبية والتمر والسوبيا بالماتشا. هذا المشروب الذي لم يعرفه المصريون قبل خمس سنوات أصبح حديث الجميع، وتفشى في كل مكان من مقاهي الزمالك والمعادي إلى الكمبوندات الساحلية الفخمة.

مصر ليست سوى عنصرا صغيرا في شبكة عالمية تشهد ضغطا غير مسبوق. وتعد الماتشا أحدث ضحايا تأثير السوشيال ميديا على توجهات وذائقة المستهلكين، إلى الحد الذي قد يحدث خللا في سلاسل التوريد والأنظمة الزراعية، التي لا تزال تعمل وفق جداول زمنية محددة تفرضها عليها الطبيعة حول العالم.

عصر التسارع اللعين: تريندات الطعام التقليدية كانت تتطور ببطء على مدى السنين. يكتشف أحد الطهاة مكونا ما، فتتبناه مطابخ النخبة وتكتب عنه مجلات الطعام، وتدريجيا يتسرب هذا المكون إلى الوعي العام بعد سنوات أو حتى عقود. هذه الوتيرة البطيئة منحت الأنظمة الزراعية وسلاسل التوريد وقتا للاستجابة والتكيف ومواكبة التطورات، بعكس ما يحدث اليوم.

والسبب؟ وسائل التواصل: طمست السوشيال ميديا التسلسل الزمني للأمور، فأصبح بإمكان فيديو واحد رائج على تيك توك أن يبدأ تريند جديدا يتبناه الملايين بين عشية وضحاها. في غضون أسبوع أو أقل، قد تفاجأ شركة أغذية جزائرية صغيرة تديرها عائلة بوجود طلب عالمي هائل على منتج “المرجان”، وهو صنف من كريمة الشوكولاتة بالبندق. في ذروة شعبيتها، بلغ سعر الشوكولاتة 780 دينارا جزائريا (283 جنيها مصريا تقريبا)، والآن يباع هذا المنتج بأكثر من 900 جنيه. “كنت أبيع هذه الشوكولاتة قبل رواجها بمعدل 50 برطمانا تقريبا، والآن وبعد أن انتشرت على تيك توك، بعت 5 آلاف برطمان في ثلاثة أشهر”، حسبما قال صاحب متجر فرنسي.

المشكلة؟ تستغرق زراعة نبات الماتشا من ثلاث إلى خمس سنوات حتى ينضج تماما. وتتطلب الزراعة ظروفا خاصة من مناخ شبه استوائي وزراعة مدروسة في الظل وقطف أصغر ورقتين فقط يدويا في بداية الموسم، ثم التبخير وإزالة السيقان والعروق والتجفيف والطحن بين أحجار الجرانيت. هذا نبات لا يمكن استعجال زراعته ولا حصاده. التغير المناخي يقلص من المساحات الصالحة لزراعة الماتشا، والمزارعون اليابانيون القدامى يتقدمون في العمر دون وجود جيل جديد على استعداد لأداء العمل الشاق مثلهم.

حدث من قبل: لم يكن الماتشا أول منتج يشهد تسارعا ضخما في الانتشار والطلب، إذ شهدت الكينوا تجربة مماثلة بين عامي 2010 و2014 عندما انتشرت بكثافة في الأسواق الغربية كغذاء خارق غني بالبروتين. تضاعف سعر الكينوا ثلاث مرات في بيرو وبوليفيا، وهي الدول التي تعتمد عليها بشكل أساسي، وفجأة لم تعد الأسر الزارعة والمستهلكة للكينوا في هذه المجتمعات قادرة على تحمل تكلفتها. أصبح الأمن الغذائي مشكلة حقيقية في مناطق زراعة الكينوا، فيما أفرطت الدول الغربية في استخدام الحبوب غير مدركة أو عابئة بالاضطراب الذي أحدثته في العالم.

استغرقت الكينوا وقتا أطول نسبيا للانتشار في العالم، بعكس الماتشا التي حققت انتشارا في غضون أشهر قليلة بفضل تيك توك وإنستجرام. تسبب هذا في سعي المزارعين جاهدين لتلبية الطلب المتزايد والاستفادة منه، وبالتالي الزراعة في مناطق غير مثالية تنتج ماتشا بجودة أقل. كما تكثف الصين وكوريا الجنوبية جهود زراعة التينشا لاقتناص الفرصة، لكن الناتج النهائي يفتقر إلى جودة الماتشا اليابانية التقليدية. ومع تزايد الإقبال الجنوني تنتشر الماتشا الرديئة وحتى المزيفة في الأسواق، ما أدى إلى أن 90% من المسحوق الموجود في المتاجر لا يعدو كونه مجرد شاي أخضر مطحون، بحسب تقدير رئيس قسم لغات وثقافات شرق آسيا بجامعة كاليفورنيا جوزيف سورنسن.

النمط يتكرر: يبدأ الأمر بإقبال جنوني على منتج ما، يعقبه سباق محموم من الموردين للحصول عليه حتى لو بأقل جودة ممكنة، ثم تمضي أيام أو شهور وينتهي التريند ويبدأ غيره. لكن أشجار الماتشا ستظل باقية، وسيتحول المزارعون أصحاب الحقول المليئة بالنبات إلى أشخاص مثقلين بالديون وعبء المعروض الذي فقد بريقه.