🧬 الجديد في عالم ألتمان.. أجنة معدلة جينيا: الحديث عن تعديل جينات الأجنة ليس وليد الساعة، بل هو قائم منذ عصور، وعليه لغط ومخاوف أخلاقية بالجملة. ولكن في عصر وادي السيليكون وتحكم الأموال في السردية، المختلف هذه المرة أن الرئيس التنفيذي لشركة أوبن أيه أي سام ألتمان (البارع في حصد مليارات الدولار مقابل وعود فارغة) يدعم هذه الفكرة. انضم ألتمان مع زوجه مهندس البرمجة أوليفر مولهيرين، إلى جانب الرئيس التنفيذي لمنصة كوين بيز لتبادل العملات الرقمية براين أرمسترونج، إلى قائمة مستثمري شركة بريفينتف الناشئة لتعديل الأجنة ومقرها سان فرانسيسكو، والتي جمعت 30 مليون دولار تمويلات مبدئية، حسبما كشف تحقيق وول ستريت جورنال.
ما نعرفه: تأسست الشركة الناشئة في مايو الماضي، وتتخصص في التكنولوجيا الحيوية بهدف تعديل الأجنة وراثيا قبل الولادة لمنع إصابة الأطفال بأمراض وراثية معينة. يحاول القائمون على الشركة حاليا إيجاد دولة لا تجرم تعديل الأجنة لبدء التجارب فيها، مع بروز اسم الإمارات كوجهة محتملة، حسبما أشار التحقيق. بريفينتف مجبرة على العمل خارج الولايات المتحدة لأن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لا تراجع طلبات التجارب البشرية التي تتضمن تعديل الأجنة، وفق الرئيس التنفيذي للشركة لوكاس هارينجتون.
هناك سابقة: توجد سابقة واحدة لأطفال ولدوا من أجنة معدلة جينيا، وذلك عام 2018 على يد العالم الصيني خه جيان كوي، الذي عدل جينات ثلاثة أطفال عندما كانوا أجنة بهدف تحصينهم ضد فيروس نقص المناعة البشرية المسبب لمرض الإيدز. حكمت السلطات الصينية على جيان كوي بالسجن ثلاث سنوات وغرمته ثلاثة ملايين يوان (نحو 420 ألف دولار) بتهمة تجاوز حدود الأخلاقيات الطبية، إذ أدين بانتهاك حظر فرضته الحكومة على إجراء تجارب على أجنة البشر.
اختبارات الفحص الجيني متاحة بالفعل، وتقدمها العديد من الشركات الطبية للأهالي الذين يخضعون لعمليات التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب. هذه الاختبارات تحدد بعض الأمراض المحتملة لدى الأجنة، ويختار الآباء والأمهات بناء عليها تجميد الجنين أو التخلص منه أو التبرع به. ولأن هذه الفحوصات تقتصر على كشف أمراض معينة مثل التليف الكيسي وداء تاي ساكس، تركز بعض شركات التكنولوجيا على عملية فحص الجينات المتعددة، والتي تتضمن استخراج الحمض النووي من الجنين وتحليله بخوارزميات إحصائية، ثم توليد احتمالات لمجموعة أوسع بكثير من الصفات والأمراض التي قد يصاب بها الطفل.
هوس السيليكون بالطفل المثالي: انتشر بين رواد وادي السيليكون الهوس بالحصول على الطفل المثالي عالي الذكاء، بداية من شركاتالتوفيق الراقي بين العزاب أصحاب الذكاء العالي وحتى شركات مثل هيراسايت ونيكليوس جينوميكس التي تقدم نظرة حول مستوى ذكاء الطفل المتوقع والنسبة المحتملة لإصابته بأمراض معينة مثل فرط الحركة والقلق وغيرها. هذا الهوس ببناء إرث من الذكاء، أو الاعتقاد بأن إنجاب جيل أذكى سيحمي البشرية من مخاطر المستقبل، يدفع شركات التك إلى تحويل هذا الحلم المثالي لسلعة استهلاكية باهظة الثمن، إذ تبلغ تكلفة فحص جنين واحد ما يصل إلى 50 ألف دولار.
وعود صحية براقة: فحص الجينات المتعددة غير مفيد صحيا وسريريا، حسبما ينقل التحقيق عن تقرير كلية الطب الوراثي والجينوم الأمريكية العام الماضي. ولم يثبت حتى الآن ما إذا كانت الأجنة ستظل تحمل الأمراض التي يشير الفحص إليها في مرحلة البلوغ، وبالتالي يأخذ الأهالي قرارات التلقيح الصناعي بناء على محض تنبؤات لا تختلف كثيرا عن قراءة الطالع.
مخاوف بالجملة: عملية الفحص الوراثي للجينات المتعددة وتعديل الأجنة تواجه العديد من الانتقادات المشروعة، منها مثلا التعامل مع الجينات المسببة للأمراض باعتبارها حقائق مطلقة وتجاهل تأثير البيئة المحيطة على الطفل، فعوامل مثل التعرض للأشعة فوق البنفسجية والتغذية والمواد الكيميائية الموجودة بالمياه والهواء المستنشق تؤثر على الخصائص والأمراض البشرية. وهناك أيضا إشكالية قصر الوصول إلى خدمات طبية حصرية على فئة محدودة من الأغنياء، وكذلك التعامل مع الطفل باعتباره سلعة يمكن تخصيصها وتصميمها حسب الطلب، في تجاهل تام للكرامة الإنسانية التي هي حق بالطبيعة وليست صفة مكتسبة تمنحها فئة لأخرى.
وهم + الكثير من الأموال: “هؤلاء البشر إما واهمون أو كاذبون، أو الاثنان معا”، حسبما قال فيودور أورنوف المدير في معهد الجينوميات الابتكارية بجامعة كاليفورنيا بيركلي لوول ستريت، واصفا القائمين على الشركة بأنهم لا يعملون على الأمراض الجينية، بل هم مسلحون بسيولة نقدية ضخمة يوظفونها بأسوأ شكل ممكن تحت مسمى تحسين النسل. ويؤكد العلماء أن فهم الجينوم البشري وكيفية تفاعل الجينات المختلفة مع بعضها البعض لا يزال مسألة معقدة، فأي تعديلات أو تغييرات أو حذف في جينات الجنين قد ينتقل إلى الأجيال القادمة، بما فيها الأخطاء غير المقصودة، بحسب التحقيق.
قنبلة موقوتة: يكمن الهدف المعلن لشركة بريفينتف في تحقيق سبق بيولوجي ثوري يزيح معاناة الأمراض المزمنة عن الأطفال، إلا أن هناك مشكلة أكبر تترصد بالبشرية. إن تمكنت جهة ما من حذف مكون جيني مسؤول عن مرض معين، فكيف لنا أن نضمن أن ذات الجهة لن تضيف مكونا جينيا أو تعدله بطريقة تمنح الجنين مرضا أشد وأكبر؟ هذه التكنولوجيا تمثل قنبلة موقوتة، يبدأ تهديدها من لحظة ميلادها كفكرة، إلى اللحظة التي تتحول فيها إلى آلة رأسمالية تنتج سلعة باهظة الثمن، خاصة مع بروز مخاوف من استغلال شركات التأمين الصحي لها. ورغم أن بريفينتف تعرف نفسها باعتبارها مؤسسة غير هادفة للربح، فهكذا كانت أبرز أسماء شركات الذكاء الاصطناعي في البداية قبل أن تتحول إلى شعارات الربحية اليائسة.
مستقبل مشؤوم؟ هذه التكنولوجيا تنذر بعهد أشد سوءا من أسلحة الحروب والإبادات البشرية، فكما أثبتت الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة أن هناك شركات كبيرة تتربح مباشرة من بيع الأسلحة أو التقنية التي تستخدم في تعزيز آلة الحرب، قد تصبح هذه التكنولوجيا — حال تحولها إلى واقع ملموس — أداة لتشويه أجيال كاملة. وفيما تظل تجارب شركة بريفينتف قيد الانتظار لحين الحصول إما على موافقة هيئة الدواء أو العثور على دولة تحتضن تجاربها، يظل القلق قائما من المدى الذي ربما يذهب إليه الطموح البشري المدفوع بالشعارات الرنانة لإحداث ثورة وأرباح لا تنتهي.