? كيف استفادت الشركات الأمريكية من الإبادة الجماعية في غزة؟ الحرب الإسرائيلية على غزة لم تكن جريمة في حق الإنسانية فحسب، بل فرصة استثنائية للشركات الأمريكية لجني أرباح طائلة. فبينما تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 68 ألفا وفقا لإحصاءات رسمية تستبعد المفقودين والضحايا "غير المباشرين" جراء الجوع والمرض وتداعيات انهيار المنظومة الصحية، حققت مجموعة من شركات الدفاع الأمريكية وعمالقة صناعة التكنولوجيا ومصنعي المعدات الثقيلة أرباحا ضخمة تقدر بمليارات الدولارات.

قصة دمار مروعة ترويها الأرقام: قفزت الميزانية العسكرية الإسرائيلية خلال عام واحد بنسبة 65% لتصل إلى 46.5 مليار دولار، وتصبح من ضمن الأعلى عالميا على أساس نصيب الفرد، بينما يتجه جزء كبير من هذا الإنفاق إلى الشركات الأمريكية. ومنذ أكتوبر 2023، وافقت واشنطن على صفقات تتجاوز 32 مليار دولار من الأسلحة والذخائر والمعدات لصالح الجيش الإسرائيلي، على نحو يشكل خط إمداد بالتسليح لم يسبق له مثيل وما زال مستمرا إلى اليوم رغم تصاعد الإدانات الدولية، بحسب وول ستريت جورنال. ومنذ بدء وقف إطلاق النار، حاول ترامب الحصول على موافقة الكونجرس لبيع أسلحة إضافية بقيمة 6 مليارات دولار للاحتلال، تشمل 3.8 مليار دولار لمروحيات أباتشي، في صفقة قد تضاعف تقريبا حجم الأسطول الإسرائيلي من هذه الطائرات.

بوينج كانت المستفيد الأكبر من العقود الإسرائيلية، بعدما أعطت واشنطن الضوء الأخضر لصفقة تبلغ 18.8 مليار دولار لبيع مقاتلات إف 15 الهجومية، إضافة إلى 7.9 مليار دولار من القنابل الموجهة ومعداتها. كانت بوينج تواجه في السنوات الأخيرة اضطرابات في الإمدادات وفضائح مرتبطة بالجودة وإضرابات عمالية، إلا أن مبيعات السلاح الخارجية مثلت نقطة مضيئة في نتائج أعمالها لعام 2024. وذكرت الشركة أن قطاعها الدفاعي تلقى دفعة ملحوظة من "ارتفاع الطلب مع تركيز الحكومات على الأمن والتكنولوجيا الدفاعية والتعاون الدولي في ظل التهديدات المتزايدة".

طفرة أرباح صانعي السلاح: حصدت شركات دفاعية كبرى مكاسب ضخمة من المأساة الفلسطينية. وكان من بين المؤسسات التي نالت عقود توريد أسلحة شركات مثل نورثروب جرومان التي توفر قطع غيار للطائرات المقاتلة، ولوكهيد مارتن التي توفر صواريخ دقيقة فتاكة، وجنرال ديناميكس التي تنتج قذائف عيار 120 ملم المستخدمة في دبابات ميركافا الإسرائيلية. لوكهيد مارتن استفادت من الزيادة في التمويل الدفاعي الأمريكي الموجه لإسرائيل، إذ ارتفعت إيرادات قطاع الصواريخ لديها بنسبة 13% لتبلغ 12.7 مليار دولار، بحسب التقرير السنوي الأخير للشركة.

لم يتردد كبار وادي السيليكون في استقبال الأموال الإسرائيلية، إذ قدم عمالقة التكنولوجيا البنية الرقمية التي تتيح لدولة الاحتلال مراقبة الفلسطينيين واستهدافهم وقتلهم بفعالية ووحشية. وفرت مايكروسوفت وأمازون وألفابت (الشركة الأم لجوجل) لإسرائيل "وصولا شبه شامل" إلى أنظمة متقدمة لمعالجة البيانات، تستخدم في كل من العمليات العسكرية ونظام التصاريح التمييزي المفروض على الفلسطينيين تحت الاحتلال. وقبل أكتوبر 2023، كانت هذه الشركات قد أبرمت صفقات بالفعل لتزويد الجيش الإسرائيلي بخدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ما منح المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قدرات رقمية مضاعفة في إدارة الحرب.

شركة بالانتير تكنولوجيز المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي شارك في تأسيسها بيتر ثيل حليف ترامب، كانت أيضا من أبرز المستفيدين من الهجمات الإسرائيلية. تحمل الشركة اسما مستوحى من عالم سيد الخواتم، رغم أن مؤلف الروايات جون تولكين كان معروفا بمعارضته الشديدة للحرب. دخلت بالانتير في شراكة مع جيش الاحتلال في يناير 2024، ويشتبه في أنها توفر أنظمة ذكاء اصطناعي تستخدم لتحديد "الأهداف"، وإرسال الطائرات المسيرة إلى منازلهم، وتنفيذ ضربات عسكرية دون تدخل بشري. وعند مواجهته في مايو 2025، قال المدير التنفيذي أليكس كارب إن الضحايا الفلسطينيين كان معظمهم "إرهابيين". وأشارت الشركة في تقريرها السنوي لعام 2024 إلى أن هذه الأنشطة "غير مؤثرة ماديا على نتائجها المالية".

آلة القتل: يشكل الدمار المادي الهائل الذي لحق بغزة مصدر ثراء لمصنعي المعدات الثقيلة. فالجرافات المدرعة من طراز دي 9 التي تنتجها كاتربيلر تنتشر بكثافة في الميدان، وتستخدم لتسوية المنازل والمنشآت بالأرض، وأحيانا لرسم علامة نجمة داوود على الأراضي الفلسطينية المنكوبة. أما مركبات إيتان المدرعة الإسرائيلية فتأتي بهيكل تصنعه شركة أوشكوش الأمريكية ومحرك من إنتاج رولز رويس. وقد اعترفت أوشكوش بأن الطلب الإسرائيلي ساعد في تمديد عمر خط إنتاج كان من المقرر إغلاقه.

تمويل الموت: لجأت إسرائيل إلى سوق السندات لتغطية تكاليف ترسانتها العسكرية والعجز الكبير في الميزانية، مستعينة ببعض أكبر البنوك العالمية مثل بي إن بي باريبا وباركليز لضمان هذه السندات وتعزيز ثقة السوق، رغم تخفيض التصنيف الائتماني لإسرائيل. وكانت شركات إدارة الأصول مثل بيمكو وفانجارد من المشترين الرئيسيين لهذه السندات. وفي مؤشر آخر على الثقة المستمرة، ضاعف صندوق الثروة السيادي النرويجي (الأضخم في العالم) استثماراته في الشركات الإسرائيلية بنسبة 32% منذ أكتوبر 2023.

لماذا تستمر الحرب؟ لأنها مربحة لأطراف كثيرة: قدمت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز تقريرا إلى مجلس حقوقالإنسان التابع للمنظمة، يشير إلى تورط أكثر من 60 شركة في ما تسميه "اقتصاد الإبادة الجماعية". فبينما تنمحي الحياة في غزة وتتعرض الضفة الغربية لهجوم متصاعد، يتضح أن جني الأرباح هو سبب استمرار الإبادة الجماعية، وأن حياة الفلسطينيين أصبحت بيئة اختبار مثالية لمصنعي الأسلحة وشركات التكنولوجيا الكبرى في ظل غياب كامل للرقابة والمساءلة، بحسب ألبانيز.