? يوم جديد، مشكلة جديدة يسببها الذكاء الاصطناعي: استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد يقوض التفكير النقدي ويؤخر مهارات حل المشكلات الإبداعي لدى طلاب الجامعات، حسبما خلصت دراسة أجراها أساتذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة واطلعت عليها إنتربرايز. هذا التقويض يزيد من المخاوف المرتبطة باعتمادنا المفرط على التكنولوجيا، بما يغير جذريا من طريقة تفكيرنا وتعلمنا. أجريت التجربة — التي قادها أستاذ العلوم السياسية الدكتور مازن حسن، إلى جانب المدرسة المساعدة إنجي أمين والأستاذة المشاركة سارة منصور والأستاذ المساعد زياد كيلاني — على ما يقرب من 100 طالب في السنة الأخيرة بجامعة القاهرة.
الدافع لإجراء هذه الدراسة بسيط: التغييرات الجذرية التي رصدها الأساتذة في سلوك الطلاب، إذ يستخدم 100% من الطلاب الذكاء الاصطناعي الآن، على الأقل في العصف الذهني لأوراقهم البحثية وتلخيصها، حسبما قال حسن لإنتربرايز. كما يستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي في كتابة الأوراق البحثية وحل الواجبات وهو أمر مقلق للغاية، حسبما أضاف.
اختار فريق البحث التركيز على ثلاثة متغيرات محددة: الابتكار والجهد وسلوك المخاطرة، وذلك لأهمية هذه الصفات في عملية التعلم. لقياس الابتكار، استخدم الباحثون لعبة حاسوبية بسيطة، يواجه المشاركون فيها مشكلة تجارية تتمثل في زيادة مبيعات بائع عصير ليمون بسيط. كان على الطلاب تجربة متغيرات مختلفة مثل لون عصير الليمون وتركيز السكر وموقع الكشك. "إنها لعبة تركز على التجربة والخطأ والتعلم من التجارب والمخاطرة أحيانا، فهم مدفوعون في النهاية بهدف تحقيق الربح"، وفق حسن.
تصميم الدراسة كان دقيقا للغاية: على مدار شهر كامل، قدم المشاركون ثلاث مهام مقيمة، إذ استخدمت المجموعة التجريبية تشات جي بي تي لكتابة المقالات، بينما أكملت المجموعة المرجعية المهام دون مساعدة الذكاء الاصطناعي. كانت إحدى أكثر نتائج الدراسة إثارة للدهشة، وربما غير المتوقعة، أن مستخدمي تشات جي بي تي أصبحوا أكثر ميلا لاتخاذ قرارات تنطوي على مخاطرة أكبر. ويوضح حسن السبب قائلا إنه "في العالم الواقعي، علينا استثمار الوقت والجهد [في اختبار] كل استراتيجية ممكنة. فالاستراتيجية الواحدة تكلف الكثير من المال والوقت"، لكن هذا ليس هو الحال عند الاعتماد على تنبؤات بوتات الدردشة. يؤكد حسن أنها "طريقة غير مكلفة، تشجع المستخدم على تجربة حلول متعددة للأسئلة حتى يحصل على نتيجة"، وهو ما يفسر ميلهم إلى المخاطرة بأكثر من سيناريو عبر الأداة الرقمية.
لكن التغييرات تتجاوز مجرد كيفية إنجاز الطلاب للمهام الموكلة إليهم. يشير حسن إلى أن الطلاب أظهروا تراجعا في التفكير النقدي، مع ملاحظة تحسن مفاجئ في استخدام اللغة الإنجليزية، وهو مؤشر واضح على استخدام تشات جي بي تي. وعندما استطلع حسن آراء طلابه حول عادات القراءة لديهم، جاءت النتيجة صادمة: لا أحد يقرأ بنفسه، الجميع يطلب من تشات جي بي تي تلخيص القراءات.
التحول الذي نشهده من القراءة التقليدية إلى ملخصات أدوات الذكاء الاصطناعي يحمل عواقب وخيمة، حسبما أكد حسن، الذي أشار إلى أن دافعية الطلاب وحوافز الابتكار لديهم ورغبتهم في التعلم كلها آخذة في التراجع بالتزامن مع صعود الذكاء الاصطناعي. "القراءة لمدة 30 دقيقة، بدلا من مجرد قراءة ملخص لبضع دقائق، تولد أفكارا في ذهن المرء، وتفتح آفاقا جديدة تماما للتفكير لم تكن لتخطر بباله، بعكس القراءة الموجهة ضيقة الأفق لنص [ملخص]"، بحسب ما أضاف.
هل ستكون هذه التأثيرات على مهارات التفكير النقدي دائمة؟ من ناحية، يمكن القول إنها ستكون دائمة، لأن الأفراد يستخدمونها باستمرار. لذا، فهذه التأثيرات ليست تدخلا قصير المدى نتوقع أن يسفر بالتبعية عن نتائج قصيرة المدى تتلاشى في النهاية، بحسب حسن. من ناحية أخرى، هناك نسبة من التفاؤل الحذر لما يطلق عليه الإحصائيون "الانحدار إلى المتوسط". فمع تلاشي حداثة التكنولوجيا، سيعود الطلاب والأفراد على نطاق أوسع إلى الاعتماد على أنفسهم، ويتراجع الزخم عما هو عليه الآن. ويضيف حسن أنه لا يرى حتى الآن ما يدعو للتفاؤل، خاصة بين طلاب الجامعات.
ما الذي يمكن للمعلمين فعله؟ يرى حسن أن حظر استخدام تشات جي بي تي بالكامل أمر غير ممكن، وبدلا من ذلك يقترح عدة استراتيجيات مثل العودة إلى الاختبارات التقليدية القائمة على الامتحانات في الجامعات، والتخلي عن التوجه السائد في العقود القليلة الماضية بالتحول نحو الواجبات والامتحانات المنزلية والأوراق البحثية. لا يمكن للمعلمين الآن التأكد من أن الطلاب هم من ينجزون هذه المهام والفروض حقا. كما يوصي بزيادة وتيرة اجتماعات أعضاء هيئة التدريس والطلاب لمتابعة تطور الأفكار.
كيف نشجع الطلاب على القراءة؟ هذه هي المهمة الأصعب، وفقا لحسن. ينبغي على الأساتذة أن يبدعوا اختبارات ترصد تفاعل الطالب وتفكيره النقدي خلال تلقيه المادة الدراسية، بدلا من قياس مجرد فهمه للمخلصات. "هناك طلاب يحصلون على نسخ من امتحانات سابقة، ثم يطلبون من الذكاء الاصطناعي التنبؤ بكيفية أداء امتحان هذا العام، ثم يحفظون الإجابة. لذلك، علينا أن نكون مبتكرين باستمرار في أسئلة امتحاناتنا، وأن نغير الاستراتيجية باستمرار. وهذا ما نفعله في قسم العلوم السياسية، إذ ندرج أحداثا وقعت ربما قبل يوم واحد من الامتحان، وهو أمر يصعب على الذكاء الاصطناعي التنبؤ به كما نأمل".
التأثير يتجاوز الحياة الأكاديمية: طلب المساعدة من بوتات الدردشة باستمرار يضعف من اتصال الدماغ وتكوين الذاكرة، حسبما تشير دراسة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. تقدم التجربة التي أجرتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية دليلا على أن تلك الآثار تمتد إلى الابتكار والتفكير النقدي أيضا. وتمثل هذه الدراسة واحدة من أولى الدراسات التجريبية التي خضعت لمراجعة الأقران حول تأثير تشات جي بي تي على الابتكار والجهد وسلوك المخاطرة في بيئة أكاديمية واقعية. "نريد التأكد من أن الشهادة العلمية التي نمنحها للطلاب هي شهادة استحقوها بجدارة، خاصة وأن هذا الجيل القادم أصبح الجيل الذي يطلب منه دائما إيجاد حلول جديدة للمشاكل الاقتصادية أو الاجتماعية"، بحسب حسن.
الخطر يهدد جيلا بأسره: تلقت إحدى الباحثات المشاركات في دراسة المعهد نحو 4000 رسالة بريد إلكتروني من معلمين قلقين من تأثير الذكاء الاصطناعي الذي قد ينشئ جيلا يفتقر إلى أي معرفة أو فهم عملي للمواد الدراسية. وتشير نتائج الدراسة المصرية إلى وجود حاجة ملحة للاهتمام العاجل بكيفية إعادة تشكيل هذه الأدوات التكنولوجية، والتي قد تسبب تغيير القدرات المعرفية البشرية أو ربما تدهورها بشكل مطلق.