ليلة في المتحف: يمثل المتحف المصري الكبير انعكاسا عظيما لحضارة لا ينضب إرثها أبدا. هذا لا يتجلى فقط في عظمة بنائه وتشييده، وإنما في عدد القطع الأثرية التي يحتضنها بشموخ والبالغ عددها أكثر من 50 ألف قطعة والتي تجعله أكبر متحف في العالم يخصص لحضارة واحدة فقط، فإن وقف الزائر أمام كل قطعة أثرية يضمها المتحف لمدة دقيقة واحدة، فسيحتاج إلى 70 يوما متواصلة بلا انقطاع حتى يشاهدها جميعا. في الأسطر التالية نصحبكم في جولة داخل قاعات المتحف وزواياه بعد افتتاحه بشكل رسمي للزوار بداية من أمس الثلاثاء.

البداية -

بمجرد وصولك إلى المتحف وقبل أن تخطو عبر البوابة الرئيسية، ستجد أول مسلة معلقة في التاريخ، مسلة الملك رمسيس الثاني، شامخة بانتظارك. نحتت هذه المسلة من قطعة جرانيت واحدة، وكانت مقسمة إلى عدة قطع عندما جرى اكتشافها في منطقة صان الحجر الأثرية بالشرقية عام 1884م. يبلغ وزن المسلة نحو 120 طنا وطولها نحو 16 مترا، وقد ثبتت على أربعة أعمدة ضخمة على مساحة 28 ألف متر مربع لتبدو جلية أمام كل العيون بمجرد الوصول إلى المتحف.

بمجرد المرور عبر البوابة الرئيسية، ستصل إلى قلب البهو العظيم الذي يقف فيه تمثال الملك رمسيس الثاني بهيبة تخطف العقول. يبلغ طول التمثال 11.30 مترا ويزن نحو 83.4 طنا، وقد عثر عليه لأول مرة في مدينة منف بالقرب من ميت رهينة بالجيزة عام 1820م، وقد كان مفككا إلى ست قطع كبيرة. ظل التمثال ماكثا في مكانه حتى عام 1955 عندما أصدر جمال عبد الناصر قرار بنقله إلى ميدان باب الحديد الذي أصبح يعرف بميدان رمسيس الشهير، وذلك قبل أن ينقل التمثال إلى مقر المتحف الكبير في عام 2006 في مهمة نقل جمعت عبقرية التخطيط والتنفيذ المتقن. كما تحتوي القاعة الكبرى على عمود النصر للملك مرنبتاح، والذي اكتشف عام 1970م، ويبلغ طوله 6 متر ويزن 17 طن تقريبا، والذي يصور انتصار الفرعون على شعوب البحر.

رحلة الخلود -

على يسار القاعة الرئيسية يظهر الدرج العظيم بتصميمه المبهر والإضاءة الخلابة التي تضيف إلى فخامة المتحف. يعرض هذا الدرج نحو 60 تمثالا ملكيا وغيرها من التحف الفريدة، تمثل رحلة الملوك إلى الأبدية، بداية من تماثيل تعرض الملوك في هيئتهم الملكية، ثم تماثيل لملوك آخرين في وضع التعبد مثل سنوسرت الثالث وإخناتون وحتشبسوت. وفي نهاية الدرج شرفة واسعة تطل على أهرامات الجيزة ومقابر المصريين القدماء، حيث ترقد منذ سنوات في رمزية تشير إلى الوصول إلى الخلود الأبدي مع نهاية الرحلة من بداية الدرج إلى نهايته.

قاعتي توت عنخ آمون -

الفرعون الذهبي ينير المتحف: يعد افتتاح قاعاتي الملك الأشهر توت عنخ آمون اللحظة الأهم التي زينت افتتاح المتحف الكبير بعد سنوات طويلة، وتضم المقتنيات التي لا تقدر بثمن والتي وجدت داخل مقبرته التي اكتشفت كاملة في الأقصر عام 1922م على يد الصبي المصري حسين عبد الرسول، الذي تجلى اسمه خلال حفل الافتتاح باعتباره المكتشف الحقيقي للمقبرة.

اكتشاف القرن العشرين: يعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون هو الأهم في القرن العشرين، إذ تكشف القطع الأثرية والمقتنيات الموجودة بها عبقرية الفن المصري القديم الذي أبدع بالذهب آثارا تذهل العالم حتى اليوم.

تمتد قاعتي توت عنخ آمون على مساحة واسعة تبلغ 7500 متر مربع أي تقريبا ستة أضعاف مساحة القاعة السابقة بمتحف التحرير، وتضم أكثر من 5500 قطعة أثرية من الذهب يعرض بعضها لأول مرة. في ما يعد القناع الذهبي لتوت عنخ آمون، أهم قطعة يضمها المتحف، وذلك بعد أن نقل من المتحف المصري بالتحرير. يزن القناع نحو 11 كيلوجرام، ويبلغ ارتفاعه 54 سم وعرضه 39 سم. كما تضم القاعة قلادات ذهبية وأثاث جنائزي مثل التوابيت والمقتنيات التي رافقته خلال رحلته إلى الأبدية، فضلا عن معروضات تتعلق بأسرته وتاريخها.

متحف مراكب الشمس -

بعد الانتهاء من قاعات توت عنخ آمون، يتجلى متحف مراكب الشمس أو مراكب الملك خوفو الشهيرة. يضم هذا المتحف سفن جنائزية قديمة تعود ملكيتها للملك خوفو، وقد عثر عليها بالقرب من الهرم الأكبر بالجيزة. يطلق على هذه السفن مراكب الشمس نسبة إلى رع، وقد دفنت بجوار الملك خوفو كي يستخدمها في الحياة الآخرة. صنعت هذه السفن من خشب الأرز دون استخدام أي مسامير في معجزة هندسية حقيقية.


القاعات الرئيسية -

يشمل المتحف 12 قاعة رئيسية تحمل مقتنيات أثرية وتماثيل ولوحات مصرية قديمة جمعت من شتى متاحف مصر الموزعة في القاهرة والأقصر والمنيا وسوهاج وأسيوط وبني سويف والفيوم والدلتا وحتى الإسكندرية. تأخذ هذه القاعات الزائر في رحلة مبهرة عبر 7000 سنة حضارة، وهي مقسمة على أساسين: الترتيب الزمني والترتيب الموضوعي. إذ تتناول القاعات عرضيا موضوعات المجتمع والملكية والمعتقدات خلال فترة زمنية بعينها، في ما تتناول القاعات عموديا موضوعا بعينه مثل المجتمع خلال أكثر من حقبة زمنية.

القاعات من 1 إلى 3 -

العصور: ما قبل التاريخ وعصر ما قبل الأسرات وعصر بداية الأسرات وعصر الدولة القديمة (عصر بناة الأهرامات) وعصر الانتقال الأول. تشمل هذه القاعات الفترة من ما قبل بداية الأسرات وحتى الأسرة العاشرة.

تركز هذه القاعات على عرض حياة المصري القديم الذي اكتشف الحياة على ضفاف نهر النيل، ومنها أسس أقدم حضارة. تضم القاعات تماثيل لموظفي مصر القديمة وكتابها والتي تتنوع ما بين التماثيل الخشبية والرخامية وأشهرها تمثال الكاتب متري المصنوع من الخشب الأحمر بعيونه الملفتة، والذي عثر عليه في سقارة عام 1925، ويرجع إلى عصر الأسرة الخامسة.

تضم هذه القاعات أيضا أقدم تمثالين في مصر للحاكم أو الشخصية المهمة، وهما تمثالان نحيفان مصنوعان من الذهب. إلى جانب كذلك الأدوات التي كان يستخدمها المصري القديم في الصيد والتي صنعت في الغالب من حجر الصوان، وتفاصيل إعداد الطعام والملابس وغيرها. كما تضم القاعات تطور المقابر لدى قدماء المصريين، والتي بدأت بالمصطبة، وصولا إلى الهرم المدرج بسقارة، وحتى الأهرامات الثلاثة بالجيزة.

تضم القاعة تمثال صخري أسود للملك خفرع جالسا على عرشه بزيه الملكي الكامل، وكذلك تمثال للملك منقرع من الرخام، إلى جانب مجوهرات الملكات وصناديق حفظها التي كانت مصنوعة من الذهب. تعرض القاعات أيضا معالم ضعف الدولة القديمة خلال هذه الفترة، خلال عصر الانتقال الأول قبل أن يبدأ عصر جديد من القوة والحضارة مع بداية عصر الدولة الوسطى.

القاعات من 4 إلى 6 -

العصور: عصر الدولة الوسطى وعصر الانتقال الثاني، ويبدأ من الأسرة الحادية عشر حتى سقوط البلاد في يد الهكسوس وانتصار أحمس عليهم.

يمثل عصر الدولة الوسطى حقبة محورية في التاريخ المصري القديم، والتي شهدت سعي الملوك إلى إعادة قوة مركزية البلاد بعد حرب أهلية كبيرة تنافس فيها الجميع على الحكم، وذلك من خلال بناء سلسلة من الحصون الشامخة على ضفاف النيل. شهدت هذه الفترة تحول الممارسات الجنائزية إلى ممارسات أكثر ديمقراطية، متجاوزة الفرعون إلى عامة الشعب.

تبرز هذه القاعات ببراعة تفاصيل الحياة في ظل حكام الدولة الوسطى والتعبير الفني الراقي والعلاقات الدبلوماسية الممتدة التي كانت شاهدة على حضارة قوية ممتدة.

تهيمن على هذه المعارض تماثيل ضخمة لملوك الدولة الوسطى، وأبرزهم الملك سنوسرت الأول وتماثيله المبهرة المعروضة في والتي تظهر الملك في أوضاع مختلفة تبرز مكانته الإلهية ودوره كحامي لمصر. تبرز سجلات الدولة والقطع الأثرية الإدارية نظام الحكم المصري المتطور، مع توثيق مفصل لنظام الضرائب وإدارة الموارد والحملات العسكرية. كما اتسمت تماثيل أبو الهول في تلك الحقبة بالجدية، مع تعبيرات عابسة تمثل التصوير الأكثر تعقيدا من الناحية النفسية في تلك الحقبة.

تظهر المجوهرات والمقتنيات الشخصية للأميرات والملكات المصريات البراعة الفنية لحرفيي المملكة الوسطى، مع أعمال ذهبية دقيقة وترصيعات بالأحجار شبه الكريمة التي تزين القلادات والحلي المبهرة.

تظهر القطع الأثرية الجنائزية كيف أصبحت المعتقدات المتعلقة بالحياة الآخرة أكثر شمولا، إذ أتاحت نصوص التوابيت للمصريين غير الملكيين استكشاف العالم السفلي وضمان خلودهم في عالم الأبدية.

** في العدد القادم، نستكمل معكم جولتنا داخل المتحف.