📊 البحر الهادئ لا يصنع بحارا ماهرا: عندما تسجل نتائج أعمال شركة ما نموا مستمرا ربع عام تلو الآخر، على الأغلب سيعزي قادة تلك الشركة ذلك إلى: إما أن العمليات التشغيلية تؤتي بثمارها، أو أن فريق العمل قد أتقن عمله على أكمل وجه. ولكن في الواقع أثبتت الأبحاث التي أجريت عبر مؤسسات مختلفة أن الثبات التام في الأداء — حتى وإن كان ثباتا إيجابيا — ليس دليلا على الكفاءة، بل هو هشاشة قد تنكشف في أي وقت.
عندما تكون الأرقام أهم من الواقع: حين تكافئ أنظمة القياس الأداء الثبات وتعاقب على التفاوت، يدرك الأفراد أن إدارة الأرقام مهمة أكثر من إدارة المهام حقا على أرض الواقع. الأرقام لن تزور بالتأكيد، ولكن سيركز الموظفون على حل المشكلات بهدوء بدلا من التعامل معها على نطاق واسع تجنبا لتباين الآراء، وسيبتكرون طرقا بديلة تحافظ على مؤشرات الأداء بينما يتعاملون بمنطق “دفن المشكلات الأساسية”. وطالما أن الأرقام لا تزال مرتفعة، سيحافظ القادة على ثقتهم في موظفيهم، فيما تضعف قدرة المؤسسة على مواجهة المشكلات الحقيقية بكفاءة وفعالية.
السبب ليس سرا: أظهرت دراسات أجريت عن المرونة التنظيمية في مجالات التصنيع والرعاية الصحية والخدمات المالية نمطا متكررا، وهو أن المؤسسات التي تمتلك مؤشرات أداء مستقرة تماما غالبا ما تكون الأبطأ في الاستجابة حال تغير الظروف. أما في الأنظمة المعقدة، فالتغيير حتمي، لأن الأسواق تتحرك والعملاء يتغيرون والتكنولوجيا تتطور والمنافسة تأخذ أشكالا جديدة، وحتى القوانين تتغير باستمرار. كل هذه العوامل تخلق بيئة ديناميكية، ينبغي على الشركات التحلي بالمرونة الكافية للتأقلم معها.
المؤسسات التي تتسم بأداء ثابت لم تتعرض لهذه التغيرات الخارجية، وربما تعرضت لها واختارت عدم اكتشافها والتعامل معها، ويمكن اعتبارها مؤسسات مبرمجة على الأداء وسط ظروف معينة ومحددة بلا تغيير. فيما تظهر الأبحاث أن المؤسسات المسؤولة عن إدارة العمليات وتأمينها في القطاعات الحساسة مثل محطات الطاقة النووية وحاملات الطائرات ومراقبة الحركة الجوية، تعمل باستمرار على إدخال تعديلات صغيرة في استجابة للتغيرات التي تكتشفها، أي أنها ديناميكية وليست ثابتة.
إن كان الثبات مؤشرا سيئا، فما هو المؤشر الجيد إذن؟ أصدق المقاييس هي تلك المصممة لإثبات التباين في الأداء، لا لإخفائه. فبدلا من الاحتفال بغياب المشكلات، تراقب المؤسسات الفعالة مدى سرعة موظفيها في اصطياد المشكلات وكفاءتهم في الاستجابة لها. في بعض القطاعات تحديدا يكون عدد الحوادث المبلغ عنها مؤشرا جيدا، فمثلا كلما رصدت محطات الطاقة النووية حوادث وشيكة، كان ذلك أفضل من حيث السيطرة عليها.
تلك المؤسسات تدرك أن المشكلات لا تختفي من تلقاء نفسها أو عندما تقرر تجاهلها، بل تتضخم في النهاية ويصبح التعامل معها صعبا. وفيما تظل نتائج الأعمال التقليدية التي ترصد تغير الإيرادات والتكاليف والعيوب ومواعيد التسليم مهمة، إلا أنها مؤشرات رجعية الأثر، فهي تخبرك بما حدث، لا بما سيحدث وما إذا كنت مستعدا للتعامل معه.