🎥 نقد الحضارة البشرية على طريقة لانثيموس: مرة أخرى، يمنحنا المخرج اليوناني يورجوس لانثيموس والممثلة المبهرة إيما ستون فيلما تجريبيا تتشابك فيه خيوط الواقع بالكوميديا السوداء، وهذه المرة بالخيال العلمي وعالم الفضاء. Bugonia يمثل ثاني تعاون بين لانثيموس وستون والممثل جيسي بليمنز (نجم I’m Thinking of Ending Things) بعد Kinds of Kindness، والرابع للثنائي ستون ولانثيموس بعد Poor Things وThe Favorite.

الاسم كمنطلق لفهم الفيلم: يعود لانثيموس في هذا العمل إلى هوايته المفضلة: إسقاط الأساطير القديمة على الواقع المعاصر، تماما كما فعل في Killing of A Sacred Deer. كلمة بوجونيا تشير إلى اعتقاد يوناني قديم بأن النحل يولد من جثث الأبقار النافقة. لم يأت اختيار الاسم صدفة، فهو انعكاس لمأساة الحياة الأمريكية المعاصرة وحياة البشر عامة، حسبما يؤكد مؤلف الفيلم ويل تريسي (الذي كتب أيضا فيلم The Menu وبعض حلقات مسلسل Succession) في حوار مع ذا إندبندنت.

الحبكة: يبدأ الفيلم بمشهد يصور مجموعة من النحل تتنقل من زهرة إلى أخرى، وصوت في الخلفية يتغزل في جمال هذه المخلوقات المنظمة والمجتهدة، والتي تحول لقاح الزهور إلى عسل لذيذ، ولكنها الآن تواجه موتا بطيئا بعد أن أصيبت بمرض يقلل من إنتاجيتها ويخل بتوازنها الهرموني. ندرك رويدا أن المتحدث هو مالك مزرعة نحل شاب يدعى تيدي (بليمنز)، يعيش برفقة قريبه وصديقه الوحيد المصاب بالتوحد دون (إيدن ديلبس في باكورة أدواره)، ويعمل موظف تعبئة في شركة ضخمة للأدوية والمستلزمات الزراعية والمبيدات الحشرية.

مأساة النحل.. والبشرية: يؤمن تيدي الغارق في نظريات المؤامرة أن الشركة التي يعمل بها هي أساس كل الشرور، وأن رئيستها التنفيذية ذات السلطة والنفوذ ميشيل (إيما ستون) هي في الحقيقة مخلوقة فضائية أرسلتها جماعة الأندروميدان في مهمة واحدة: تدمير الأرض والإخلال بتوازن الحياة فيها من خلال العبث بالحيوانات والبشر عبر منتجات شركتها. يخطط تيدي بالتعاون مع دون لاختطافها وإجبارها على الاعتراف بحقيقتها كفضائية، ومطالبتها بتحديد اجتماع مع إمبراطور جنسها ليتمكن تيدي من التفاوض معه لإنقاذ الأرض والبشرية.

**الفقرتان التاليتان تتضمنان حرقا للأحداث**

تركيبة شخصية تيدي شديدة التعقيد، فمع مرور الوقت نكتشف المزيد من الأسباب التي تؤكد كونه مريضا نفسيا وضحية لمتلازمة عقدة الإله وغرفة الصدى. ومع أن الفيلم يقدم لنا كل الأسباب التي تجعلنا نشكك في صدقه، فإن النهاية تنتصر له باعتباره الإنسان الوحيد الذي أدرك وجود التهديد، ولكنه غفل عن رؤية أسبابه الحقيقة. هلاك بني البشر بالنسبة لتيدي قادم على يد الفضائيين، ولكنه إن أمعن النظر حقا، فسيجد أن عبث البشر بالأرض يسبق كل المحاولات الشريرة والمؤامرات الخارقة لتدمير الكوكب. في عالم لانثيموس، تتأذى الأرض بفعل أصحابها وأنانيتهم وسباقهم المحموم نحو المال والسلطة على حساب أنفسهم ومن يشاركونهم الحياة على ذات الكوكب، لدرجة أن حتى الكائنات الفضائية تشفق علينا وعلى مصيرنا.

هذا الفيلم واحد من أقل أفلام لانثيموس عبثية وأكثرها واقعية. القيامة التي يصورها في نهاية الأحداث لا تمثل رؤية كئيبة أو مظلمة، بل بالعكس هي إشراقة أمل. الطبيعة دائما ستجد طريقها إلى إعادة توازنها، فحتى وإن حاولت قوة فضائية خارقة مساعدة البشر على التغيير للأفضل وإنقاذ الكوكب، ستفشل حتما طالما أنهم لا يدركون حقا حجم ما يقترفونه من آثام في حق الحياة وأنفسهم.

**نهاية الحرق**

بوجونيا الأمريكي يقتبس فكرته من الفيلم الكوري Save The Green Planet الصادر عام 2003، ولكن لانثيموس يمنح فيلمه منعطفا أكثر عمقا وأبعد عن مجرد الكوميديا والخيال العلمي. لا يخجل صناع بوجونيا من نقد الحضارة البشرية وآثامها بطريقة غير مألوفة، بل يبنون على جوهر الحكاية الأصلية بشكل جريء وصادم وذكي، ليقدموا قصة غير مريحة أكثر نضجا وعمقا وتأثيرا. يبتعد لانثيموس قليلا في هذا العمل عن سمات أفلامه الثلاثة الأخيرة، ويعيد محبيه إلى زمن أفلامه الأولى مثل TheLobster.

أضفى بليمنز إلى شخصية تيدي أبعادا يكتشفها المشاهد رويدا. من لغة الجسد المتوترة والمرتابة، وانتقاله بين الهدوء والرزانة في الحديث إلى الانفعال والعصبية، إلى لمحات الماضي الذي لم يتجاوزه، وصولا إلى منطق تفكيره وتأثيره الكبير على دون قريبه. وبالمثل قدمت ستون شخصية ميشيل ببراعة تمنحها بسهولة تذكرة عبور إلى الأوسكار الثالث في مسيرتها. فإن كان لعالم الشركات الضخمة الفاسدة صوت يجسدها ستكون ميشيل، التي تتحدث مع موظفيها ومع تيدي ودون وكأنها إنسان رأسمالي آلي نفعي.

هذا عمل مثير للدهشة، مبهر وحزين، مقبض وسوداوي في الوقت ذاته. الموسيقى التصويرية في هذا الفيلم تقدم درسا يحتذى في توظيف اللحن المناسب في اللحظة المناسبة لتحقيق أكبر قدر من الهيبة والتأثير، كما تضفي أدوات الصورة واللون إلى الأحداث المجنونة والحبكة غير المتوقعة. هذا عمل بالتأكيد لا يناسب الجميع، فإن كنتم من محبي لانثيموس أو الأفلام السيريالية والتجريبية التي تستكشف النفس البشرية وتتعمق في خباياها عبر أدوات مبتكرة، فهذا الفيلم لن يفشل في إبهاركم.

أين تشاهدونه: في سينما فوكس سيتي سنتر ألماظة ومول مصر، وسينما سيتي ستارز، وسينما سين في كايرو فيستيفال، وسيما أركان، وسينما رينيسانس داندي مول وسينما زاوية. (شاهد التريلر 2:33 دقيقة)