🃏 سياسة الباب يفوت جمل: “إن كنت تريد بيع أسهمك فسأجد من يشتريها”، هذا كان رد ألتمان على المستثمر براد جيرستنر الذي استضافه في البودكاست الخاص به، عندما سأله عن كيفية التزام الشركة بإنفاق 1.4 تريليون دولار وإيراداتها لا تتجاوز 13 مليار دولار فقط. استمر ألتمان فيدفاعيتهالمفرطة عندما أضاف قائلا إن هناك الكثير ممن يتحمسون لشراء الأسهم، وإنه يتمنى لو كانت الشركة في البورصة ليرى منتقدوه أداء أسهمها على أرض الواقع.

هذا الرد المفرط في عدوانيته جاء مثيرا للاهتمام، خاصة وهو صادر من رئيس تنفيذي لشركة تنزف الأموال بعد خسارتها 12 مليار دولار خلال الربع الماضي فقط. يركز ألتمان على إثبات خطأ منتقديه بدلا من تفسير التراجع في الإيرادات وتأكيد أن العمل يسير بنجاح. يصور ألتمان مناوراته المالية على أنها ابتكار ضروري، إذ أكد أن ما يدفع التقدم الحقيقي هو أن يتمكن الأفراد أيضا من الابتكار في النموذج المالي. ولكن ما الحد الفاصل بين الابتكار من أجل الابتكار، والابتكار لمجرد درء الفشل؟

انسحاب ما قبل العاصفة؟ أكملت أوبن أيه أي الأسبوع الماضي عملية إعادة هيكلة طال انتظارها، تحولت بموجبها من منظمة غير ربحية إلى شركة ربحية ذات منفعة عامة بقيمة 500 مليار دولار. هذه الخطوة تتيح للمستثمرين امتلاك أسهم للمرة الأولى، وتمهد الطريق للاكتتاب العام. ورغم التقارير التي تشير إلى أن أوبن أيه أي تستعد لطرح عام بقيمة تريليون دولار في عام 2026، نفى ألتمان وجود جدول زمني محدد، وقال لجيرستنر: “ليس لدينا تاريخ محدد بعد، ولم نحصل على قرار مجلس الإدارة بشأن بذلك”. هذه الهيكلة تتيح بسهولة نوعا من السيولة التي قد تسمح للمستثمرين والمديرين التنفيذيين الأوائل ببيع حصصهم، قبل أن يثبت نموذج العمل نجاحه أو فشله الذريع.

إلى نعيم النجاح: إذا تمكنت أوبن أيه أي من تحسين تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير وزيادة الإيرادات خلال السنوات المقبلة، وإذا صبر المستثمرون كل هذه المدة، فقد تثبت ابتكارات ألتمان المالية صحتها. وقد دافع المدير التنفيذي لمايكروسوفت ساتيا ناديلا عن أداء ألتمان خلال البودكاست، قائلا إن الشركة نفذت ببراعة كل خطة عمل قدمتها لمايكروسوفت.

… أو جحيم الانهيار: في حال تباطؤ التقدم التكنولوجي، أو إذا لم تترجم عملية التطوير إلى عوائد مالية ملموسة، فقد تخسر أوبن أيه أي وشركاؤها مبالغ ضخمة. شركات أصغر مثل كور ويف، التي تتحمل ديونا ضخمة لبناء مراكز بيانات تعتمد بالكامل تقريبا على أوبن أيه أي، قد تفلس، وقد تشهد أوراكل خسائر متوقعة عند 29 مليار دولار. يمكن أن تمتد التداعيات عبر الاقتصاد العالمي، خاصة مع تركز ملكية أسهم التكنولوجيا في أيد محدودة. إن ألتمان يملك القدرة إما على تحطيم الاقتصاد العالمي لعقد كامل، أو أخذنا جميعا إلى الأرض الموعودة، حسبما وصف ستيسي راسجون المحلل في برنشتاين ريسيرش.

التاريخ يكرر نفسه: ألتمان ليس أول مبتكر مهووس يفقد صوابه بالسلطة، فهو يسير على خطى إيلون ماسك. يعد ماسك كل عام بسيارات ذاتية القيادة يطرحها ” في العام المقبل ” منذ 10 سنوات، كما وعد باحتلال المريخ وتحويله إلى الأرض الثانية، وبأن ابتكار هايبرلوب سيحدث ثورة في عالم النقل، وأن تكون سيارة سايبرتراك مقاومة للرصاص. لكن أيا من هذه الوعود لم يتحقق على أرض الواقع. كلاهما يفهم أن في وادي السيليكون حجم الرؤية والوعود البراقة أهم بكثير من القدرة الحقيقية على التنفيذ، وكلاهما أتقن فن إطلاق وعود ضخمة تجعل التشكيك فيها يبدو محاولة للتطاول على التقدم البشري نفسه.

وكلاهما يرد على النقد بالهجوم: أمضى ماسك سنوات على تويتر سابقا يسخر من بائعي أسهمه على المكشوف، ويصف منتقديه بالمنحرفين، ويرد على الأسئلة الجادة حول الأوضاع المالية لتسلا بالسخرية والعداء. عندما طرح المحللون أسئلة معقولة بشأن أرباح تسلا، وصفها ماسك بأنها أسئلة مملة وغبية وتجاهلها. الأسلوب واحد، وجنون العظمة الذي يعمي صاحبه عن الحقيقة واحد أيضا.

السلوك مشابه في تسلا نفسها: أكد موظفون سابقون في تسلا تشابه النمط بين ألتمان وماسك، إذ يحدد الأخير مواعيد نهائية مستحيلة لتسليم المهام، ويضع الفرق في مواجهة بعضها، ويقدم وعودا مختلفة لأطراف مختلفة، ويخلق ثقافة يعتبر فيها التشكيك في قراراته سببا لفقدان الوظيفة. كما نجا ماسك من عدة محاولات للحد من سلطته، لدرجة أن مجلس إدارة تسلا قد انتقده أكثر من مرة باعتباره مجرد مجلس صوري.

النمط ذاته يتكرر.. في البدء تكون المقاومة، ثم الاستسلام الكامل لرؤية العبقري الجهبذ، ثم خسائر مالية لا تتوقف.

ومن المثير للسخرية أن الصراع بين ألتمان وماسك أصبح علنيا بشكل متزايد، إذ هاجم ماسك ألتمان مؤخرا متهما إياه بأنه سرق منظمة غير ربحية، فيما رد ألتمان بأنه حول “الشيء الذي تركته أنت ميتا، إلى … أكبر منظمة غير ربحية على الإطلاق”.

الخصم يلهم خصمه: المناورات المالية لألتمان تعكس أسلوب ماسك في تسلا وسبيس إكس، من ترتيبات معقدة تشتري فيها شركاته منبعضها البعض، إلى تحويل المستثمرين إلى عملاء، وخلط الحدود بين الأعمال والتمويل. لاحظ المحللون منذ زمن أن سهم تسلا مقيم بأكثر بكثير من قيمته الحقيقية، إذ تجاوز النمو المتوقع النتائج المالية. وكلاهما يصور الهندسة المالية على أنها رؤية مستقبلية، بينما هي في الواقع وسيلة لاستمرار العجلة عندما لا تدعم الأسس ذلك التقييم.

تحول سام ألتمان إلى نسخة أخرى من ماسك هو مأساة كلاسيكية مكتملة الأركان. فقد أصبح قائدا يعد بكل شيء، ويحذر الخبراء من سلوكياته، فيتجاهل الجميع هذه التحذيرات، ويفلت من المحاسبة والمساءلة، ثم سرعان ما يثبت الوقت أنهم كانوا محقين، ثم يتحول هذا القائد إلى إنسان هجومي يدافع باستماتة عن رؤيته حتى بعد انفصالها تماما عن الواقع، فيصبح سقوطه أمرا حتميا. حتى أنت، يا ذكاء يا اصطناعي، قد خنت المثل التي ادعيت تحقيقها؟