? ? إيكاروس عصر الذكاء الاصطناعي: انفعل سام ألتمان قائلا: " هذا يكفي "، عندما سأله أحد المستثمرين كيف تبرر أوبن أيه أي التزامها بإنفاق 1.4 تريليون دولار مقابل إيرادات تبلغ 13 مليار دولار فقط. لم يكن ذلك مجرد انفعالا عرضيا، بل كشف عن حقيقة رائد الأعمال الذي تجاوزت طموحاته حدود الواقع، عندما أدرك أن الجميع يرون الآن حقيقته كاملة.

جاء ذلك خلال حلقة بودكاست من تقديم المستثمر براد جيرستنر، استضاف فيها كلا من ألتمان وساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت. الحلقة تأتي بالتزامن مع إعلان أوبن أيه أي عن اتفاق بقيمة 38 مليار دولار مع أمازون ويب سيرفيسز، وهو الأحدث في سلسلة التزامات تدخل فيها الشركة التكنولوجية في قطاع البنية التحتية، والتي بلغ مجموعها الآن ما يقرب من 1.5 تريليون دولار. وراء دفاعية ألتمان التي ظهرت بوضوح خلال اللقاء تكمن حقيقة مقلقة: ثورة الذكاء الاصطناعي التي دافع عنها قد تكون مبنية على هندسة مالية أكثر من كونها تحولا اقتصاديا حقيقيا.

الرجل الذي وعد بتحقيق كل شيء: لم يكتف ألتمان بالوعد ببناء بوت دردشة أفضل وأكثر تطورا فحسب، بل وعد أيضا بعلاجالسرطان وتقديم “خبير رقمي بدرجة دكتوراه في أي مجال” يقود إلى عصر من الذكاء الاصطناعي العام القادر على تغيير البشرية. قال ألتمان عند إعلان الاتفاق مع أمازون إن توسيع الذكاء الاصطناعي المتقدم يتطلب قدرة حوسبة هائلة وموثوقة، لينصب نفسه مهندسا للثورة التالية للحضارة الإنسانية وليس مجرد رائد أعمال تكنولوجي.

من وعود تغيير العالم إلى متعة الغرف المغلقة: في ظل الضغوط المالية المتزايدة على أوبن أيه أي، فإن الشركة التي وعدت يوما بثورة في عالم العلاجات والأمراض والمعرفة والتكنولوجيا، أضحت الآن معتمدة على بيع الوعد بالحميمية لمن يعانون من الوحدة. هذا يمثل سقوطا مذهلا من الخطاب المثالي السابق، ويكشف العيب الخطير الذي لدى ألتمان وهو "فرط الكذب"، وهو ما حذر منه زملاؤه السابقون في مذكرة من 52 صفحة كلفته منصبه (ولو مؤقتا).

كشفت تفاصيل جديدة من شهادة رئيس العلماء السابق في أوبن أيه أي إيليا سوتسكيفر، عن الدوافع الحقيقية لمحاولة الانقلاب التي حدثت عام 2023 داخل الشركة العملاقة. فبحسبموقع جيزمودو، أمضى سوتسكيفر أكثر من عام في بناء قضيته ضد ألتمان قبل أن يقدم المذكرة إلى مجلس الإدارة، مشيرا إلى أن ألتمان أجبر على ترك مسرعة الأعمال والشركات الناشئة واي كومبينيتور لأسباب مشابهة. أقال المجلس ألتمان في 17 نوفمبر من نفس العام، قبل أن يعود سريعا بعدها بأربعة أيام، فيما ترك أعضاء المجلس الذين هاجموه مناصبهم.

خبرة في "الحوارات": أصبح من الجلي الآن قدرة ألتمان المبهرة على تقديم قصص مختلفة بحسب من يخاطبه، وكيف لهذه القدرة أن تمتد وتؤثر على السياسات المالية الكاملة لأوبن أيه أي. بنت الشركة التكنولوجية شبكة معقدة من الاتفاقيات الدائرية، والتي بموجبها تتلقى الشركة مليارات من شركات تكنولوجيا أخرى، ثم تعيد إرسال تلك المليارات إلى نفس الشركات لدفع تكاليف الحوسبة والخدمات، وفقا لتحقيق نشرته نيويورك تايمز.

لعبة الوهم المالي: بين عامي 2019 و2023، ضخت مايكروسوفت أكثر من 13 مليار دولار في أوبن أيه أي. ثم أعادت أوبن أيه أي توجيه معظم تلك الأموال إلى مايكروسوفت لشراء خدمات الحوسبة السحابية. وتشكل مايكروسوفت نحو 20% من إيرادات إنفيديا، والتي تعد أكبر مستثمر في أوبن أيه أي، مما يخلق ثلاثية من الاعتماد المتبادل. وعندما ملت أوبن أيه أي من قدرات مايكروسوفت، أعاد ألتمان تكرار اللعبة ذاتها ولكن مع شركاء آخرين:

  • كور ويف: وافقت أوبن أيه أي على دفع أكثر من 22 مليار دولار لشركة كور ويف المتخصصة في مراكز البيانات، مقابل الحصول على خدمات الحوسبة عبر ثلاث اتفاقيات. في الوقت ذاته حصلت شركة ألتمان في المقابل على أسهم بقيمة 350 مليون دولار في الشركة المذكورة. هذه الأسهم تساعدها في دفع تكاليف نفس الخدمات. وتشير التقارير إلى أن كور ويف تستمد نحو 60% من إيراداتها من أوبن أيه أي، في الوقت الذي تتحمل فيه ديونا ضخمة لبناء منشآت تخدم عميلها الرئيسي.
  • أوراكل: اتفقت على إنفاق 300 مليار دولار لبناء مراكز بيانات جديدة لأوبن أيه أي، مقابل دفع الأخيرة لاحقا مبلغا يقارب نفس القيمة لاستخدام تلك المرافق. ورغم ضخامة الاتفاق، تخسر أوراكل 100 مليون دولار ربع سنويا من إيجارات مراكز البيانات لأوبن أيه أي، فيما يتوقع أن تحرق ما يقرب من 29 مليار دولار من التدفق النقدي الحر بحلول العام المالي 2028 على حس هذه الصفقة.
  • إنفيديا: أعلنت أنها ستستثمر 100 مليار دولار في أوبن أيه أي. هذا الاستثمار قد يساعد أوبن أيه في تمويل مراكز البيانات، فيما تشتري رقائق إنفيديا لتشغيلها.
  • أيه إم دي: وقعت أوبن أيه أي اتفاقا لشراء ما يصل إلى 160 مليون سهم في شركة أيه إم دي المصنعة للرقائق بسعر سنت واحد للسهم، أي ما يعادل نسبة 10% تقريبا من الأسهم. هذه الاتفاقية توفر رأس مال إضافي للشركة الأولى يمكنها من بناء مراكز بيانات توظف فيها رقائق أيه إم دي.
  • أمازون: أصبحت صفقة أمازون ويب سيرفيسز الأخيرة ممكنة فقط بعد أن أعادت أوبن أيه أي التفاوض على عقدها مع مايكروسوفت لإلغاء حق الشفعة الذي تتمتع به. أدى الإعلان عن الصفقة إلى ارتفاع أسهم أمازون بأكثر من 5%، ليضيف بذلك 10 مليارات دولار إلى ثروة جيف بيزوس في يوم واحد.

كل شيء تحت السيطرة.. حقا: عندما واجهه جيرستنر بخصوص الفجوة بين الإيرادات والإنفاق، لم يقدم ألتمان أي تفاصيل، بل أصر فقط على أن شركته تحقق إيرادات أكبر من ذلك بكثير، مدعيا أنها قد تصل إلى أرباح بقيمة 100 مليار دولار بحلول عام 2027.

الأرقام لها رأي آخر: تحقق أوبن أيه أي مليارات الدولارات سنويا من عملائها، لكنها لا تزال تخسر أكثر مما تجني. فقد خسرت الشركة نحو 12 مليار دولار في الربع الماضي وحده، كما أن منتجها الأبرز تشات جي بي تي، والمسؤول وحده عن غالبية إيراداتها، يعاني في مهمة تحويل العملاء من النسخة المجانية إلى البريميم، إذ يشترك 5% فقط من أصل 800 مليون مستخدم نشط في النسخة المدفوعة.

المال مهم، وليس مصدره: يبرر هذا التراجع الكارثي سعي أوبن أيه أي المحموم وراء الإيرادات من أي مصدر ممكن، بما في ذلك تطوير المحتوى الموجه للبالغين، والمتصفح الجديد الذي قد يفتح قنوات مختلفة تدر إيرادات عبر الإعلانات، في منافسة لجوجل كروم محتكر هذا المجال. هذه الحلول الجديدة من أوبن أيه أي لا تمثل ابتكارا بأي شكل، بل هي محاولة يائسة واعترافا ضمنيا بأن ما وعد به ألتمان لا يتحقق بسهولة تبرر مستويات الاستثمارات الحالية، بل ربما لن يتحقق أصلا.

**نتابع في عدد الغد من النشرة المسائية تحليلا للسيناريوهات المحتملة إن حدث وفقدت رؤية ألتمان زخمها وبريقها في أعين المستثمرين والعملاء، وما إذا كانت مناوراته المالية الخادعة ستسحب الاقتصاد العالمي معه نحو الهبوط.