? صعود استراتيجية نقد الذكاء الاصطناعي في عالم التسويق: تنتشر الإعلانات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي كالنار في الهشيم في عالم اليوم، ولا يزال المستهلك العادي غير قادر على التأقلم والاعتياد عليها، إذ يتشارك 52% من المستهلكين المشمولين في استطلاع رأي أجرته شركة أي أيه بي الأمريكية شعورهم بعدم الارتياح تجاه الإعلانات المولدة بالذكاء الاصطناعي. هذا الشعور السلبي تجاه التريند الرائج أصبح وسيلة تلعب عليها شركات التسويق في الولايات المتحدة لجذب قاعدة استهلاكية أكبر وتحقيق ربح أكبر، وفقا لبيزنس إنسايدر، فكيف ذلك؟

العبث يتجاوز الحدود: أعلنت شركة فريند أيه أي إطلاق قلادة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي، يرتديها المستخدم ويتحدث معها يوميا، تماما كما يتحدث مع صديقه المقرب. تذاكر هذه القلادة ما يقال لها وتحفظه، وتتفاعل مع المستخدم من خلال الردود المولدة بأداة جيميناي، وكأنهم أعز أصدقاء. أثارت الحملة الدعائية التي بلغت تكلفتها مليون دولار موجة واسعة من السخط، إذ تعرضت البوسترات للتشويه وتحريف المضمون من خلال الجرافيتي.

ردود الأفعال لم تقتصر على الأفراد فحسب، بل انتقدت بعض الشركات الكبرى أداة فريند الذكية، ومنها عملاق المشروبات الكحوليةهاينكن، التي سخرت في أحد إعلاناتها من أن أفضل طريقة لكسب صديق جديد هي عبر تناول مشروب معه. بينما وعدت العلامة التجارية أيري التابعة لأمريكان إيجل بعدم استخدام الذكاء الاصطناعي في إعلاناتها والاعتماد دائما على بشر حقيقيين، في منشور على إنستجرام أثار حالة واسعة من ردود الفعل الإيجابية. كما برزت لوحات دعائية في شوارع نيويورك لبولارويد الأمريكية تؤكد أن "الذكاء الاصطناعي لن يعوضك لذة الشعور بالرمال تحت قدميك"، والتي تنتقد من خلالها إحدى أدوات توليد صور السفر بالذكاء الاصطناعي.

المشكلة الحقيقية: الإعلانات المولدة بالذكاء الاصطناعي لا تؤثر في المستهلك، ولا تثير بداخله أي تعاطف أو مشاعر تربطه بالقصة التي تتبناها العلامة التجارية، حسبما قال إيان فورستر الرئيس التنفيذي لمنصة دايفيد المتخصصة في اختبار المحتوى الإعلاني، لبيزنس إنسايدر. إعلانات شركات مثل مايكروسوفت وفولفو وبوما مثلا، أثبتت فعالية أقل في التأثير على المستهلك وجذب انتباهه مقارنة بمتوسط سائر الشركات، والسبب؟ اعتمادها على الذكاء الاصطناعي، الذي تسبب في زيادة مشاعر انعدام الثقة بينها وبين المستهلكين بنسبة 12% عن المتوسط. وحتى أفضل الإعلانات المولدة بالذكاء الاصطناعي لا تستطيع أن تترك انطباعا دائما يعلق بالذاكرة، حسبما أكدت دراسة أجرتها شركة نيلسن أي كيو ديسمبر الماضي.

الذكاء الاصطناعي لا يتمتع بالفطنة والتمييز البشري لما يقال وما لا يقال، وتحديدا في مجال له خصوصيته مثل التسويق، لذا فإن اعتماد العلامات التجارية على الدعاية المولدة بالذكاء الاصطناعي قد يعرضها لمخاطر التحيز والعنصرية. تضمين نماذج اللغة الكبيرة في الحملات الدعائية ربما يمرر لغة غير مقبولة تحمل ضمنيا أو صراحة تمييزا ضد السن والعرق والجنس والمكانة الاجتماعية ومستوى الدخل والتعليم، حسبما أشار بحث جامعة كورنيل الأمريكية. هذا يعني أنه لتطوير استخدام نماذج اللغة في التسويق، يجب على الشركات فهم السياق المعاش، وتوخي الحذر من اللغة المهينة. ولأن فعل ذلك يتطلب وقتا وجهدا أكبر، فإن الاعتماد على البشر يوفر على العلامات التجارية عناء التحري المفرط.

تمرد على التكنولوجيا: في نوفمبر الماضي، أطلقت كادبوري إعلانا يروج لمنتج شوكولاتة فايف ستار الخاصة بها. بنت كادبوري إعلانها بالكامل على التمرد على الذكاء الاصطناعي، في سردية تصف حياة الموظف المعاصر باعتبارها سلسلة لا تنتهي من المهام المطلوب منه إتماما سريعا باستخدام الأدوات الذكية، دون أن يتمتع بأي وقت لنفسه. تدعو كادبوري بسخرية وتهكم إلى إغراق الإنترنت بمعلومات عبثية وخاطئة، حتى ندمر آليات الذكاء الاصطناعي ونفسدها. هذا الإعلان هو جزء من استراتيجية تتبناها شركة الأغذية الشهيرة، فهي لا تسخر فحسب من الذكاء الاصطناعي، بل تراه مضيعة للوقت.

تكنيك دعائي أم اختيار منطقي؟ تنامي الاتجاه المعادي للذكاء الاصطناعي في عالم التسويق يأتي ببساطة من سأم جميع الأطراف من الإعلانات المولدة باستخدام أدواته. هذا الملل تدرك الشركات الكبيرة مدى تأثيره وخطورته على أعمالها، فالمستهلك يميل إلى عدم شراء منتج ما إن كان مصحوبا بدعاية بها كلمة "الذكاء الاصطناعي"، خاصة لو كان باهظ الثمن أو به درجة من المخاطرة مثل الأجهزة الإلكترونية والمعدات الطبية والخدمات المالية، حسبما أشار بحث أجرته مجلة تسويق الضيافة والإدارة. تدرك الشركات الكبرى أن تبني لهجة انتقاد الذكاء الاصطناعي تعني ببساطة خلق حالة أكبر من الثقة والأصالة مع المستهلكين. وإن لم يكن ذلك نابعا من إيمان حقيقي بعبثية الاعتماد على آلات في التسويق بدلا من البشر، فإنه يأتي بالتأكيد من وجهة نظر ربحية بحتة: الرهان على اللمسة البشرية أفضل أسلوب دعائي في حد ذاته، على الأقل حتى الآن.