قلائل هم الرؤساء التنفيذيون الذين يقبلون محاسبتهم علنا، لكن الأندر أن يكون أحدهم من وزراء الحكومة. أعضاء مجتمع الأعمال الذين تابعوا مسيرة حسن الخطيب قبل انضمامه إلى الحكومة قبل نحو 15 شهرا يعرفون أنه مختلف، فقد ظهر على منصتنا في منتدى إنتربرايز مصر 2024 ليكشف لنا عن ملامح أجندة طموحة لإعادة الهيكلة والتغيير.
وبعد عام واحد، عاد ليجيب أسئلة تتعلق بما تحقق وما الذي ينوي فعله اليوم لتسهيل التجارة وممارسة الأعمال وجذب الاستثمارات.
في مقابلة خاصة، أوضح الخطيب أنه يرى في التحول الرقمي مفتاحا لجعل بيئة الأعمال في مصر أكثر سهولة وكفاءة، وتمكينها من أن تصبح واحدة من أكثر الوجهات تنافسية في العالم للتصدير والاستثمار الأجنبي المباشر.
التحول الرقمي هو العلاج الجوهري لمشكلة الإجراءات المعقدة للحصول على التراخيص منذ سنوات طويلة، وفق الخطيب. “يتعامل القطاع الخاص حاليا مع نحو 96 جهة للحصول على تراخيص ورسوم التسجيل. الرؤية اليوم واضحة: لا نريد أن يتعامل أي مستثمر أو شركة مع 96 جهة. ما نريده هو أن يتعامل مجتمع الأعمال على المدى القصير مع خمس جهات رئيسية فقط”. وإلى جانب وزارة المالية، تشمل هذه الجهات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، والهيئة العامة للتنمية الصناعية، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وهيئة التنمية السياحية، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
لتوضيح حجم التحديات، أشار الوزير إلى أن إنشاء مصنع جديد للملابس الجاهزة يتطلب المرور بـ 24 إجراء مختلفا، في حين يحتاج مشروع فندقي جديد إلى 34 إجراء، وغالبا ما يضطر المستثمر إلى دفع الرسوم نفسها أكثر من مرة على السجل التجاري ذاته.
أين وصلنا الآن؟ قال الخطيب إن الحكومة تنفذ حاليا استراتيجية رقمية مزدوجة المسار، هدفها قصير الأجل توحيد التعاملات من خلال خمس جهات رئيسية فقط. وقد أطلقت منصة موحدة مؤقتة في يونيو الماضي بتوجيه من رئيس الوزراء، ربطت بين 41 جهة حكومية وتقدم حاليا 389 ترخيصا و460 خدمة رقميا. وقد تطلبت هذه العملية من كل جهة توثيقا دقيقا لكل خدمة ورسومها والغرض منها.
يتطلع الوزير إلى الانتقال قريبا من هذه المنصة المؤقتة إلى منصة دائمة متطورة بالكامل، قائلا: “أستطيع القول إننا في المراحل النهائية من المفاوضات، وآمل أن أوقع قرار إطلاقها خلال أسابيع قليلة”.
يترافق التحول الرقمي مع جهد ضخم لإعادة هندسة إجراءات التراخيص. فالحكومة تعمل حاليا مع مستشارين خارجيين لدراسة وإعادة هيكلة 275 نشاطا، في محاولة دقيقة لاستئصال مشاكل التكرار، مثل مطالبة المستثمر بإعادة الخطوات أو دفع الرسوم نفسها أكثر من مرة.
السرعة هي العامل الحاسم: انخفض متوسط زمن الموافقات في مركز خدمات المستثمرين من 14 يوما إلى 5.8 أيام فقط، مع وضع هدف لتقليصه إلى يومين بنهاية العام الجاري، وفقا للوزير. كما أنشئت وحدة “الأصول السيادية” لتسريع قرارات إدارة أصول الدولة وتحديد ما يحال منها إلى وحدة الطروحات أو إلى صندوق مصر السيادي لتحقيق أفضل عائد. وتطبق الحكومة هذا النهج المتكامل حاليا في قطاع السياحة، بدءا من تجربة المستثمر في المطارات وحتى المرافق والخدمات.
التجارة والاستثمار أصبحا وجهين لعملة واحدة: تسعى مصر الآن إلى تحقيق توازن بين علاقاتها التجارية والاستثمارية. فبينما كانت العلاقات الكبرى تاريخيا مع الصين وآسيا، يتركز الاهتمام حاليا على تنويع هذه الشراكات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما وصفه الخطيب بأنه “معادلة رابحة للطرفين” مع الاتحاد الأوروبي، تقوم على تسهيل التجارة بالتوازي مع اتفاقات استثمارية، مستفيدة من الميزة التنافسية لمصر في أسعار الطاقة مقارنة بأوروبا، حيث الأسعار هناك أعلى بست مرات من الولايات المتحدة، ما يجعل مصر وجهة جاذبة للاستثمار الصناعي. وينطبق المنطق نفسه على التعاون مع الصين الذي يركز على توطين الصناعة.
الصادرات تنمو والطموح أكبر: أوضح الوزير أن الوصول إلى زيادة بنسبة 20% في الاستثمارات الأجنبية المباشرة (أي نحو 14 مليار دولار) هدف قابل للتحقيق، لكنه غير راض عن معدل نمو الصادرات الحالي البالغ 25% سنويا، مشيرا إلى أنه يطمح إلى زيادتها إلى ضعفين أو ثلاثة أو أربعة خلال ثلاث سنوات.
القطاعات الفائزة: حددت استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر التي أعدها البنك الدولي في ديسمبر الماضي عدة قطاعات “جاهزة للترويج” وتتمتع بفرص واضحة للنمو. ومن أبرزها:
1#- المنسوجات: قطاع المنسوجات في مصر يجذب المزيد من المستثمرين الأجانب، إذ تقدر تكلفة الإنتاج في مصر بنحو 20% فقط من التكلفة في تركيا. ومع صادرات حالية تقارب 3 مليارات دولار، تستهدف الحكومة رفعها إلى 12 مليار دولار في هذا القطاع وحده، بحسب الخطيب.
2#- الصناعات الوسيطة: رغم عدم وجود صناعة سيارات ضخمة في مصر حاليا، فإن الصناعات المغذية للسيارات تشهد زخما متزايدا. ووقعت أربع شركات بالفعل للمشاركة في هذه المبادرة، بينما تتفاوض الحكومة مع شركة عالمية جديدة للانضمام، وفقا للوزير.
3#- السياحة: لم يعد النهج الحكومي يقتصر على تخصيص الأراضي، بل باتت الحكومة تركز على وضع أهداف محددة لعدد الفنادق والغرف الجديدة بحلول عام 2030، وتطوير المنظومة بأكملها بما يشمل المطارات ووسائل النقل والمرافق، حسبما أوضح الخطيب.