قبل نحو 33 عاما، أدى تعليق عابر إلى إحياء فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير. ففي عام 1992، كان وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني في زيارة إلى فرنسا عندما سأله فنان إيطالي: "ماذا ستفعلون بالمخزن الذي لديكم؟" شعر حسني بالاستفزاز فأجابه على الفور: "سنشيد أكبر متحف في العالم." لم تكن إجابته وليدة اللحظة، إذ كان يفكر في الفكرة منذ زمن، لكن كلمات الإيطالي دفعته إلى التصريح بها علنا.
كان حسني يدرك أن المتحف المصري في ميدان التحرير أصبح أقرب إلى مخزن للآثار، غير مؤهل لعرض التماثيل الضخمة، وضيق المساحة لاستيعاب الكم الهائل من القطع الأثرية، ويفتقر إلى تجربة العرض التي تليق بحضارة مصر القديمة. طرح حسني الفكرة على الرئيس الراحل حسني مبارك والذي منحه الضوء الأخضر ليبدأ رحلة إنشاء المتحف المصري الكبير.
اختار حسني موقع المتحف على بُعد كيلومترين فقط من أهرامات الجيزة ليمنح الزوار تجربة استثنائية. وفي عام 1993، دعت وزارة الثقافة المصرية الجانب الإيطالي للمشاركة في المشروع، وشُكلت لجنة مصرية إيطالية مشتركة. وبعد أعوام قليلة، أنجز الجانب الإيطالي دراسة جدوى شاملة في ثمانية مجلدات.
وفي عام 2002 وُضع حجر الأساس للمتحف المصري الكبير بالجيزة، وبدأت أعمال الإنشاء في عام 2005. وبمشاركة منظمة اليونسكو والاتحاد الدولي للمعماريين، أُطلقت مسابقة معمارية دولية لاختيار تصميم المتحف. من بين 1,557 مقترحا من 83 دولة، اختارت لجنة التحكيم التصميم الفائز لمكتب هينيجان بنج المعماري الأيرلندي، الذي تخيّل المتحف في هيئة مخروطية تتماشى مع أشعة الشمس المنبعثة من قمم الأهرامات الثلاثة.
وفي عام 2006، أنشأت مصر أكبر مركز لترميم الآثار في الشرق الأوسط، مخصصا لترميم وصون وتجهيز القطع الأثرية المخصصة لقاعات العرض بالمتحف، وافتُتح رسميا في عام 2010.
ثم أطلقت مصر في عام 2012 المرحلة الثالثة من المشروع، والتي شملت بناء المبنى الرئيسي، والذي يضم قاعات العرض والمسارح والمعامل التعليمية والثقافية ومختبرات الترميم، إضافة إلى بنية تحتية متطورة لتقنيات المعلومات والاتصالات.
وفي عام 2016، قررت الحكومة إنشاء هيئة عامة للمتحف وجرى إسناد مهمة الإشراف على التنفيذ إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الإنجاز خلال السنوات التالية.
اليوم يمتد المتحف على مساحة إجمالية تبلغ نحو 500 ألف متر مربع — أي ما يعادل مساحة 70 ملعب كرة قدم أو ضعف مساحة متحف اللوفر — ليصبح أحد أضخم المشاريع الثقافية في العالم. ومن أبرز مكوناته:
- 27 ألف متر مربع: ساحة المسلة المعلقة — المدخل الرئيسي للمتحف.
- 6 آلاف متر مربع: الدرج العظيم الذي تصطف على جانبيه 87 تمثالا ضخما يقود الزوار نحو قاعات العرض.
- 7.5 آلاف متر مربع: قاعة توت عنخ آمون التي تضم 5 آلاف قطعة تُعرض معا لأول مرة منذ اكتشافها عام 1922 على يد هوارد كارتر.
- 18 ألف متر مربع: قاعات العرض الدائمة التي تعرض آلاف القطع الأثرية عبر معارض متعددة.
- 1.4 ألف متر مربع: متحف مراكب الشمس الذي يعرض سفينتي الملك خوفو بعد ترميمهما.
أما مركز الترميم — الأكبر في الشرق الأوسط — فيقع على عمق 10 أمتار تحت الأرض ويمتد على مساحة 12.3 ألف متر مربع، وتبلغ مساحة المخازن 3.4 آلاف متر مربع تستوعب نحو 50 ألف قطعة أثرية مزودة بأحدث أنظمة التحكم في المناخ والأمن.
وتعد الوكالة اليابانية للتعاون الدولي أكبر ممول للمتحف المصري الكبير، إذ قدمت قرضين في عامي 2008 و2016 بقيمة إجمالية بلغت 800 مليون دولار، شملت أيضا اتفاقيات للتعاون الفني وتدريب المرمّمين العاملين في مركز الترميم المتطور بالمتحف.
كما تقدم قرضا بقيمة 733 مليون دولار أمريكي لتمويل إنشاء الخط الرابع لمترو القاهرة، الذي سيربط قلب العاصمة بالجيزة مرورا بالأهرامات والمتحف المصري الكبير، مما سيسهم في تعزيز سهولة الوصول إلى المتحف.