يعد بناء المتحف المصري الكبير في حد ذاته معجزة هندسية، تستلهم روح الحضارة المصرية القديمة في كل تفصيل من تفاصيلها. تحدثت إنتربرايز مع اثنين من مهندسي المشروع الرئيسيين: جورج كيرلس، مدير مشروع المتحف المصري الكبير في أوراسكوم كونستراكشون ويوريس دي كيندر، مدير المشروع ومدير المنطقة في بيسكس.
قادت أوراسكوم كونستراكشون وبيسكس (المملوكة لأوراسكوم كونستراكشون بنسبة 50%) معا تنفيذ المشروع بالكامل، بدءا من الأعمال الإنشائية وأنظمة الميكانيكا والكهرباء المعقدة وصولا إلى إنشاء بيئات مُتحكم فيها مناخيا لأكثر من 20 ألف قطعة أثرية. إنجاز هندسي وتنظيمي على مستوى نادر في حجمه وتعقيده.
إنتربرايز: ما أبرز التحديات اللوجستية أو التنسيقية التي واجهتموها خلال التنفيذ؟
دي كيندر: تصميم المبنى معقد للغاية. فالمتحف ليس مجرد صالة عرض، بل هو أيضا مركز مؤتمرات، وساحة دخول، ومكتبة، ومتحف للأطفال، وتجربة ثلاثية الأبعاد، ومبنى للتذاكر، ومجموعة من المطاعم.
كان علينا إدارة عدة واجهات عمل في وقت واحد ضمن مساحة محدودة، مع تنسيق عمليات النقل والإمداد لجميع المناطق. كان هناك محطة خلط خرسانة داخل الموقع وورش للنجارة والحديد، وكان علينا تسليم كل شيء في مواعيده المحددة.
الحرب في أوكرانيا وجائحة كوفيد أثرتا على سلاسل التوريد، إذ كانت العديد من المواد — خاصة أنظمة التبريد والتكييف — تستورد من الخارج.
لكن جميع الأحجار — أكثر من 200 ألف متر مربع (ما يعادل 40 ملعب كرة قدم) — كانت محلية المصدر من أسوان وسيناء، مما ساعد في الحد من آثار الاضطرابات العالمية. استخدمت هذه الأحجار في الأرضيات والكسوات الداخلية والخارجية.
إنتربرايز: التصميم الهندسي للمتحف معروف بتعقيده، كيف أثر ذلك على التنفيذ؟
دي كيندر: المعماري صمم المبنى بحيث تتماشى محاوره مع قمم الأهرامات، وبزاوية مائلة نحو وسط القاهرة. لذا لا يوجد أي جزء مواز أو متعامد — كل حجر، وكل عمود، وكل كمرة فريدة من نوعها.
كان علينا القيام بمسح هندسي مستمر لضمان دقة التنفيذ، لأن هذا التعقيد الهندسي انعكس على جميع المراحل — من الحفر والهيكل إلى التشطيب وأنظمة الميكانيكا والكهرباء. النتيجة كانت رائعة لأنها تربط مصر القديمة بمصر الحديثة، لكنها جعلت المشروع أكثر صعوبة. حتى أعمال اللوجستيات تأثرت، إذا تأخر تسليم شحنة واحدة من الأحجار، لم يكن من الممكن استبدالها، لأن كل قطعة فريدة لا مثيل لها
إنتربرايز: من الناحية الهندسية، ما أبرز التقنيات أو الوسائل الإنشائية الفريدة التي استخدمتموها؟
دي كيندر: كان هذا أول مشروع في مصر يستخدم فيه نظام النمذجة المعمارية ثلاثية الأبعاد بهذا الحجم. هذا النظام مكّننا من تنسيق جميع الأنظمة الفنية وتفادي أي تعارض بين المواسير والكابلات والممرات، مع ضمان المساحات الكافية أسفل الأسقف المستعارة. ومع تعقيد المبنى، كان هذا النظام أداة لا غنى عنها.
كيرلس: في وقت ما، كان لدينا 64 مهندسا يعملون فقط على هذا النظام. كان أمرا ثوريا حينها، واليوم أصبح معيارا في المشاريع الكبرى. وبسبب حجم المشروع، قسمناه إلى أربعة قطاعات، لكل منها مدير مشروع مستقل. أما المنطقة المركزية — التي تعرف الآن بـ”الدرج العظيم” — فكانت في الأصل مجرد طريق لعبور المعدات الثقيلة.
كما نصبنا 16 رافعة برجية مزودة بأنظمة منع تصادم، تعمل جميعها ضمن نظام تحكم مركزي يراقبه المهندسون على الشاشات لضمان سلامة العمليات في الموقع.
إنتربرايز: كيف أثرت الحضارة المصرية القديمة على اختيار المواد المستخدمة؟
كيرلس: المواد الخام الأساسية — الجرانيت الأسواني والترافرتين السيناوي — هي نفس الأحجار التي استخدمها المصريون القدماء. التصميم اشترط استخدامها في الكسوات والأرضيات لتجسيد روح العمارة المصرية القديمة. استخدمنا الترافرتين في الكسوات والأرضيات، والجرانيت في الأرضيات وأحيانا في الحمامات والمطاعم.
إنتربرايز: هل تعاملتم مع أي قطع أثرية خلال المشروع؟
كيرلس: الأقرب كان المسلة المعلقة. تسلمناها في أربع قطع وقمنا بتجميعها لتصبح المسلة الوحيدة المعلقة في العالم. عادة ما تُغرس المسلة في الأرض وترتفع نحو السماء، أما هذه فمعلقة بحيث يتمكن الزوار من رؤية خرطوش الملك أسفلها.
دي كيندر: كما قمنا بنقل مركب الشمس — أقدم قطعة خشبية في العالم، عمرها 4,500 عام — من منطقة الأهرامات إلى المتحف المصري الكبير.
نُقلت في حاوية مغلقة ومتحكم في مناخها للحفاظ على الخشب وتنظيم الحرارة والرطوبة قبل تركيبها في موقعها الجديد. كان ذلك أقرب ما وصلنا إليه من التاريخ المصري القديم نفسه.
إنتربرايز: ما الابتكارات أو التقنيات الأخرى التي تميز المشروع؟
دي كيندر:من أوائل التقنيات المستخدمة في أفريقيا كانت الواجهة الزجاجية المزدوجة المدعومة بكوابل مسبقة الشد في نهاية مبنى المعارض المطلة على الأهرامات، لتوفر إطلالة بانورامية مذهلة. كما استخدمنا خرسانة سابقة الإجهاد مع كابولات معلقة بطول يزيد عن 26.5 مترا، وسقوفا بارتفاع يصل إلى 33 مترا لاستيعاب التماثيل الضخمة.
أكثر الأجزاء تعقيدا كانت الأسقف المطوية على شكل أهرامات صغيرة، كل واحدة تختلف في الارتفاع والميل والعرض والطول. صُبت باستخدام خرسانة بيضاء مزخرفة من الأسفل، وكان على كل قالب أن يُصنع خصيصا لموضع واحد فقط.
كيرلس:كل “هرم” في السقف كان مختلفا، لذا كان علينا تصنيع القالب لكل شكل ثم تفكيكه وإعادة بنائه للذي يليه، فكان عملا هندسيا دقيقا ومتقنا للغاية.
إنتربرايز: إلى مدى كانت هناك مشارك دولية معكم في المشروع؟
كيرلس: كان لدينا ما يقارب ألف مقاول ومورد، بينهم شركات دولية من ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وتركيا.
إنتربرايز: بعد 14 عاما من العمل في الموقع، ما أبرز اللحظات التي لا تُنسى بالنسبة لكم؟
كيرلس: من أكثر اللحظات التي لا تنسى كانت نقل تمثال رمسيس الثاني من ميدان رمسيس إلى المتحف في عام 2018. كان علينا إدخاله أولا ثم بناء المتحف حوله. يمتد سقف هذه المنطقة لمسافة 100 متر دون أعمدة، فقمنا برفع هيكل فولاذي ضخم فوق التمثال وأحطناه بكتل خرسانية لحمايته أثناء الإنشاء.
اتبع مركب الشمس نفس النهج: وضعنا الأثر أولا ثم بنينا الهيكل حوله.
إنتربرايز: كيف جرى تصميم المتحف ليصمد لأجيال مقبلة؟ وما أبرز أنظمة الاستدامة الذكية فيه؟
كيرلس: يضم المشروع 45 نظاما كهروميكانيكيا متطورا، من بينها مركز طاقة ضخم يقع بعيدا عن المبنى الرئيسي ويتصل به عبر أنفاق، ويضم أنظمة التبريد والمولدات ومضخات المياه ومضخات الحريق ومحطات الكهرباء ولوحات التحكم.
دي كيندر: كان نطاق عملنا يشمل كل شيء باستثناء التعامل المباشر مع القطع الأثرية. كل واجهة عرض بالمتحف تمتلك نظام تحكم مناخي دقيق بدرجات حرارة ورطوبة محددة، وجميعها مرتبطة بنظام إدارة المباني المركزي الذي يراقب الظروف في الوقت الفعلي.
في حال حدوث أي خلل — مثل تسرب أو تغير في الحرارة أو حتى لمس واجهة العرض — يصدر النظام إنذارا فوريا للفريق المختص. نظام ذكي للغاية يضمن الحفاظ على القطع الأثرية في ظروف مثالية لأجيال قادمة.
إنتربرايز: ما هو أكثر جزء بالمتحف تنصح الزوار بالتأمل فيه عن قرب؟
كيرلس: علينا أن نتحدث عن جدار الهرم — أحد أبرز معالم المتحف. في التصميم الأصلي كان جدارا مصمتا، ما كان سيكلف مبالغ ضخمة. أما الآن فهو يتألف من ثلاثة عناصر: الجدار الخلفي، الواجهة الزجاجية، والجدار الرئيسي، بطول إجمالي 800 متر وارتفاع يتراوح بين 7.5 و47.5 مترا. كل حجر فيه فريد — صُنع خصيصا وفق أبعاد دقيقة ليتكامل مع القطع الأخرى. كما تتخلل الجدار وحدات إنارة خفية لإضاءة ليلية مبهرة.
وطبعا هناك قاعة توت عنخ آمون — جوهرة المتحف — التي تضم أكثر من 5 آلاف قطعة مؤمنة بقيمة تقديرية تبلغ 25 مليار دولار. تنقسم القاعة إلى قسمين (A وB) وخمسة محاور:
- حياة توت عنخ آمون اليومية
- بعثه من جديد
- جنازته
- هويته الملكية
- الأدوات التي أعدت لرحلته إلى العالم الآخر
وهذه هي القاعة الوحيدة التي لم تكشف بعد وستفتتح رسميا مع الافتتاح الكبير للمتحف المصري الكبير في 1 نوفمبر.