عندما يفتح المتحف أبوابه الأسبوع المقبل، سينطلق الزوار في رحلة هي أكبر بكثير من مجرد زيارة متحف أثري. سيسيرون في رحلة منسقة بعناية تبدأ قبل وقت طويل من دخولهم المبنى، رحلة تربط حرفيا سهل النيل القديم بهضبة الأهرامات، وتربط مجازيا عالم الأحياء بعالم الموتى.
تطلب المتحف المصري الكبير تعاونا غير مسبوق بين مهندسي المناظر الطبيعية ومصممي المعارض لإنشاء متحف يحتفي بالحضارة المصرية القديمة وبالابتكار المعاصر. هذا الاندماج بين المناظر الطبيعية والسرد هو نتيجة تعاون استثنائي بين استوديوهات تصميم عالمية المستوى، ومنها "ويست 8" الهولندي، وأتيليه بروكنر الألماني، وبورو هابولد البريطاني.
عملت هذه الشركات جنبا إلى جنب مع المصممين المعماريين بمكتب هينجان بنج وفريق متنوع من الخبراء المصريين والدوليين لحل مشكلة فريدة من نوعها: كيف تنشئ متحفا لخمسة آلاف عام من الحضارة في موقع تراث عالمي لليونسكو، مصمم لاستيعاب ملايين الزوار سنويا، دون الإخلال بالهضبة الجيولوجية التي بنيت عليها الأهرامات نفسها؟
يقول المعماري أدريان خوز، الشريك المؤسس والمدير الفني لشركة "ويست 8"، إن فكرة التصميم بدأت بفعل "جريء من ضبط النفس". فبدلا من فرض مبنى ضخم على المشهد الطبيعي، اختار الفريق غرس المتحف داخل الهضبة نفسها، حتى لا يتأثر التكوين الجيولوجي الذي بنيت عليه الأهرامات. ويشرح خوز أن الواجهة الواسعة للمتحف أصبحت أشبه بحافة جرف صخري طبيعية، تمثل الامتداد المعماري للطبيعة الأصلية للهضبة عند سهل فيضان النيل القديم.
لم يكن هذا مجرد حل هندسي، بل كان بيانا معماريا عن علاقة مصر بتراثها وتاريخها. فالواجهة الممتدة بطول 800 متر أصبحت امتدادا طبيعيا لجرف الهضبة، بينما تحكي الساحة الأمامية الواسعة والمزروعة بالأشجار قصة سهل فيضان النيل القديم الذي كانت تنقل عبره حجارة الأهرامات بالسفن. تنتشر أشجار النخيل في مساحة العرض الخارجية البالغة 5 هكتارات، لتكون ما تصفه شركة ويست 8 بأنه "طبيعة ثانية" تربط بين تقاليد الزراعة القديمة ومفاهيم التصميم المستدام الحديثة.
المدخل نفسه أشبه برحلة اكتشاف أثري. يدخل الزوار تحت الواجهة المائلة إلى القاعة الكبرى المثلثة الشكل، مرورا بمسلات ونقاط تفتيش مظللة تُنظم حركة الحشود مع الحفاظ على هيبة الدخول إلى أحد أهم المواقع الثقافية في العالم.
ومن أكثر العناصر اللافتة أن تصميم المشهد الطبيعي يضم ما يسميه خوز "نباتات التحنيط الأصلية"، التي جرى تحديدها بالتعاون مع علماء الآثار من خلال تحليل حبوب اللقاح والحمض النووي. وفي "الحدائق الفرعونية"، التي تضم برك بردي وحدائق معابد أسفل الجدران الممتدة، تعمل هذه الأنواع كنماذج عرض حية تُمكّن الزوار من رؤية النباتات التي استُخدمت فعلا في عمليات التحنيط القديمة، وكل ذلك بإطلالة مباشرة على الأهرامات.
من لوحة الرسم إلى الواقع: يقول خوز إن "من العناصر التي ما زالت حاضرة بوضوح من التصاميم الأولى للمتحف نقل تمثال رمسيس الثاني البالغ ارتفاعه 11 مترا من ميدان رمسيس بالقاهرة، إلى جانب هذه الحدائق الفرعونية المظللة". ويضيف أن المشروع صمد عبر تحولات سياسية وتحديات اقتصادية وجائحة عالمية.
وإذا كانت شركة ويست 8 قد أرست الأساس المادي والرمزي للمتحف، فإن شركة أتيليه بروكنر هي من بنت المسرح الذي تعرض عليه خمسة آلاف عام من الحضارة. بالنسبة لشيرين فرنجول-بروكنر، الشريكة المؤسسة والمديرة التنفيذية للشركة الألمانية، لم يكن التحدي مجرد عرض مقتنيات، بل ابتكار "عمارة سردية" تحوّل المحتوى نفسه إلى بنية معمارية.
ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في قاعة توت عنخ آمون، حيث واجهت الشركة تحديا غير مسبوق: عرض كامل مجموعة توت عنخ آمون معا للمرة الأولى في التاريخ. وعلى عكس المعارض التقليدية التي تُعرض فيها القطع الأبرز فقط، كان لابد من عرض كل شيء. غير أن الفريق رأى في ذلك فرصة ليروي القصة الكاملة للملك الصغير وعالمه ومعتقداته التي شكّلت الحضارة المصرية القديمة.
جاء الحل بسيطا في شكله وعميقا في معناه. عنصران فقط ينظمان الرحلة بأكملها: "المسار الأمين"، وهو شريط أرضي أسود متصل يحمل جميع القطع، و"مسار الشمس"، وهو شريط ضوئي على السقف يوجه حركة الزوار. استوحي مسار الشمس من الأساطير المصرية القديمة ليجسد دورة الحياة والموت والبعث. تقول فرنجول-بروكنر: "هذان الخطان ينظمان الرحلة عبر القاعة، رابطين بين الحياة والموت والعالم الآخر. أردنا أن يشعر الزائر بأن المعرض أشبه بقطعة من الفسيفساء المزروعة داخل العمارة الضخمة، يحكي القصة بإيقاع الضوء والمساحة."
الضوء نفسه أصبح العنصر المركزي في التصميم، رمزا ومادة في آن واحد. ففي الميثولوجيا المصرية يمثل الضوء والشمس التجدد والخلود، ما جعله الإطار الأمثل لعرض قطع لا تقدر بثمن. هذه المقاربة أثبتت بصيرتها المبكرة، إذ ظلت صالحة رغم مرور أكثر من عقدين وتطور تقنيات المتاحف منذ 2003 وحتى 2025.
وبين مشهد ويست 8 الطبيعي وقاعات أتيليه بروكنر، يكمن عنصر آخر لا يقل روعة، لكنه غالبا ما يغيب عن أنظار الزوار: غلاف المبنى نفسه. هنا يبرز دور مهندسي بورو هابولد الذين جعلوا من التصميم البيئي حارسا صامتا يحمي المقتنيات ويهيئ تجربة الزائر. يقول ستيفن جولي، مدير المشاريع الثقافية بالشركة: "كان التحدي الرئيسي أن يكون المبنى بارزا بصريا أمام خلفية الأهرامات الأسطورية، وفي الوقت نفسه نموذجا للتصميم المستدام".
تمثل الحل في ما يسميه جولي "النهج السلبي" في التصميم البيئي: صندوق حراري ثقيل مدمج في ضفة سهل فيضان النيل ومحمي بالظل من كل الجهات ليبقى بعيدا عن الحرارة. الواجهة الشفافة والسقف المعدني المتموج يشكلان نظام عزل متكامل يسمح بأن تصل حرارة السطح إلى أكثر من 70 درجة مئوية بينما تبقى القاعات الداخلية عند درجة 23 مئوية.
هذا البناء الواعي بالبيئة يجعل العمارة نفسها تحمي القطع الأثرية من عوامل التعرية والضوء الزائد مع تقليل استهلاك الطاقة بشكل كبير، وهو مبدأ طورته بورو هابولد على مدى نحو 50 عاما من خبرتها في المناخات الحارة في الشرق الأوسط، وبلغ ذروته في تصميم المتحف المصري الكبير.
ولا يقتصر التصميم السلبي على ضبط الحرارة فقط، فكل جزء من تجربة الزائر يعكس التفكير البيئي: مداخل التذاكر مظللة، والنوافير موضوعة لتبريد الجو، والساحات محمية من الرياح والشمس، ويعاد استخدام الهواء المبرد من القاعات لزيادة الراحة في المسارات الداخلية.
حتى الألواح الزجاجية المعلقة على الدرج الكبير تؤدي دورا مزدوجا: عنصر فني وحاجز حراري، مما يسمح بتبريد الهواء دون إغلاق الأبواب بين الساحات والقاعات. يقول جولي: "من النادر أن يتاح لمتحف أن يترك أبوابه مفتوحة للهواء الخارجي ويحافظ في الوقت نفسه على الظروف المثالية لعرض القطع، وهذا إنجاز معماري حقيقي".
وشملت التحديات الهندسية سلامة الزوار أيضا. ففي القاعة الرئيسية الواسعة طور فريق الحماية من الحرائق في الشركة استراتيجية أداء تضمن إخلاء الجميع بأمان، مع استخدام تجاويف السقف لشفط الدخان في حال الطوارئ — نوع من التفكير المتكامل يجعل الهندسة غير مرئية لكنها جوهر التجربة.
عمارة التعاون: تشدد المكاتب الثلاثة على أن نجاح المتحف المصري الكبير يعود إلى عملية تعاون غير تقليدية. فبعد مسابقة عام 2002، تشكل فريق دولي ضخم بقيادة الدكتور ياسر منصور ضم مؤرخين وعلماء آثار وخبراء سياحة وأمن ومصممي معارض ومهندسين ومخططين ومعماريين مصريين من بينهم مكتب سايتس. وكان الفريق يجتمع تقريبا كل ثلاثة أسابيع على مدار عقدين لإدارة التعقيد الهائل للمشروع.
كان الدمج بين التخصصات المختلفة منذ المراحل الأولى أمرا حاسما؛ إذ ضمن بورو هابولد الانتهاء من مركز الحفظ الأثري ومركز الطاقة قبل افتتاح المتحف بسنوات، بحيث يمكن استقبال القطع الأثرية ومعالجتها وتخزينها مؤقتا قبل عرضها في القاعات الجديدة.
انضم أتيليه بروكنر للمشروع عبر عملية اختيار دولية في أواخر 2016، وشكل بسرعة فريقا من 25 خبيرا أتم المفهوم والتصميم خلال ستة أشهر فقط — وهي مهمة تستغرق عادة سنوات. تقول فرنجول-بروكنر: "ما مكننا من تحقيق هذا الجدول الزمني المستحيل هو التفاني المشترك وروح التعاون المتميزة مع زملائنا المصريين. كانت هناك ثقافة أساسية من التعاون، وهذا ما صنع الفارق".
أما بالنسبة لخوز، فقد امتد هذا التعاون إلى حل المشكلات التقنية أسبوعيا: من تصميم حركة المرور والظل وإدارة الحشود إلى تأمين المياه وري الأشجار وصيانة المساحات الخضراء. ورغم كل ذلك ظلت الشبكة المثلثة وخطوط الرؤية نحو الأهرامات ثابتة كأساس للتصميم.
ورغم التوقفات التي شهدها المشروع — من ثورات إلى أزمات مالية ومعايير استدامة متغيرة — إلا أن الفريق ظل متمسكا برؤيته. يقول جولي: "كانت الانقطاعات في عملية التصميم تحديا كبيرا، لكن قوة المفهوم وتكامله ضمنا أن يأتي البناء النهائي وفيا للرؤية الأصلية".
معلم ثقافي وبيئي للقرن الحادي والعشرين: بينما تسعى مصر لجذب 30 مليون سائح بحلول 2028، فإن المتحف المصري الكبير يمثل أكثر من مجرد صرح لحفظ الآثار — إنه نموذج لكيف يمكن للدول أن تكرم تراثها الثقافي وتبني مستقبلها الاقتصادي في الوقت نفسه مع احترام البيئة. يقول جولي: "يمثل المتحف ذروة العمارة الحديثة التي تجمع بين العراقة والدقة في البناء، ومن منظورنا فهو أيضا مثال رائع على دمج الاستدامة والتصميم البيئي منذ المراحل الأولى للإنشاء".
يُظهر تصميم المتحف أن أكثر المشاريع الثقافية طموحا تحتاج إلى أكثر من عبقرية معمارية؛ تحتاج إلى صبر وتعاون عبر التخصصات والثقافات والأجيال. يبرهن المشروع أن الهندسة ليست مجرد مرحلة لاحقة، بل جزء أساسي من الفكرة المعمارية منذ البداية، وأن التصميم السلبي القائم على المبادئ الكلاسيكية يمكن تعزيزه بالتكنولوجيا الحديثة، وأن تصميم المتاحف المستدامة في المناخات القاسية ليس ممكنا فقط، بل مثاليا.
قد تكون القطع الأثرية قديمة، لكن المسرح الذي تعرض عليه حديث تماما، بناه مصممون ومهندسون أدركوا أن تكريم الأبدية يبدأ بالاستثمار في الوقت الحاضر، وبالتزام بالاستدامة يضمن بقاء المتحف لأجيال قادمة.
يختم جولي قائلا: "نأمل أن يكون نهج الحفظ منخفض الكربون الذي اعتمدناه في المتحف نموذجا يحتذى به في علم حفظ التراث". وهي رؤية تليق بمتحف يثبت أن مستقبل التراث الثقافي يعتمد على احترام حكمة الماضي والوعي ببيئة الغد.