افتتاح المتحف المصري الكبير يمثل علامة فارقة في مسيرة الثقافة، من شأنها أن تعيد رسم ملامح علم المصريات والسياحة والتراث الوطني في مصر. تحدثت إنتربرايز إلى ثلاثة من أبرز علماء المصريات في العالم للتعرف على رؤيتهم لمعنى هذا الافتتاح المنتظر، وما يأملون أن يتحقق مع بداية هذا الفصل الجديد من تاريخ مصر الثقافي.
فايزة هيكل
فايزة هيكل هي عالمة مصريات مصرية وأستاذة فخرية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتعد من الرائدات في مجالها؛ إذ كانت أول امرأة مصرية تحصل على درجة الدكتوراه في علم المصريات من جامعة أكسفورد عام 1965، وأول مصرية تعمل في النوبة ضمن حملة اليونسكو لإنقاذ الآثار المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي بأسوان، كما كانت أول امرأة تتولى رئاسة الرابطة الدولية لعلماء المصريات عام 1988.
شاركت هيكل كعضو نائب في لجنة التحكيم الدولية التي اختارت التصميم الفائز بالمتحف في أوائل الألفية الجديدة، ثم شاركت لاحقا في التخطيط الأكاديمي للمتحف، بما في ذلك عملية نقل بعض المقتنيات وطريقة عرضها.
تقول هيكل: “المتحف مفتوح منذ زمن دون أن يُفتتح رسميا. كثيرون أتيحت لهم فرصة مشاهدة بعض قاعاته بالفعل. لا شك أن العمارة الحديثة والتكنولوجيا واتساع المساحة شيء مدهش، وهناك مجال لمزيد من التوسعات، وهذا بالضبط ما كان المقصود من إنشائه — فمصر لا تزال تخبئ الكثير تحت الأرض.”
وتضيف أن قضية استرداد الآثار تبقى مسألة سياسية شائكة يصعب حلها في المدى القريب سواء بوجود المتحف أو بدونه.
“علينا أن نضمن أن يشعر المصريون بأنهم جزء من الحكاية. العالم كله يشاهدنا وسنستقبل مزيدا من الزوار بفضل هذا الإنجاز العظيم، لكن لا يجب أن نغفل أن هذه قصة مصرية في الأساس، ويجب ألا يشعر المصريون العاديون بأنهم مستبعدون منها. إذا نجح المتحف في غرس شعور بالفخر لدى المصريين وإثارة فضولهم للتعرف أكثر على تاريخهم القديم، فذلك سيكون إنجازا حقيقيا”.
سليمة إكرام
سليمة إكرام عالمة آثار باكستانية بارزة شاركت في العديد من المشاريع الأثرية في مصر وتركيا والسودان واليونان والولايات المتحدة. وتشغل حاليا منصب أستاذة مصرية متميزة لعلم المصريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وزميلة بحث في متحف التاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان. تشمل اهتماماتها البحثية علم الآثار الجنائزية (وخاصة التحنيط)، ودور الحيوانات في مصر القديمة، والحياة اليومية، وفن الصخور، وحماية التراث والمتحفية.
تلفت إكرام إلى جانبين أساسيين في المتحف: الأول هو معرض توت عنخ آمون، والثاني هو معامل الحفظ والبحث العلمي.
“سيُعرض كامل مقتنيات توت عنخ آمون في مكان واحد للمرة الأولى، ما سيسمح للزوار بتجربة ثراء المقبرة وفهم ما كان يعتبره الفرعون مهما — من الأشياء الفخمة إلى البسيطة — وكيف كانت ملامح حياته اليومية. هذه التجربة تنقلنا من الأساسيات إلى أوج الفهم الديني.”
أما عن معامل المتحف، فتقول إكرام إنها استخدمت هذه المعامل بنفسها منذ افتتاحها عام 2010 أثناء عملها مع عالم الآثار الهولندي أندريه فيلدمير على بعض مواد توت عنخ آمون.
تُستخدم في المعامل أحدث التقنيات والأجهزة، على غرار تلك المتوفرة في مؤسسات كبرى مثل متحف المتروبوليتان ومتحف بريطانيا، ما أتاح للباحثين فرصة الغوص أعمق في دراسة المواد واكتشاف قصص جديدة عن شبكات التجارة والأيديولوجيا الدينية والحياة اليومية في مصر القديمة.
“المقتنيات المعروضة حتى الآن مذهلة، والإضاءة تجعل مشاهدتها أسهل وأكثر متعة، لذلك كانت تجربة رائعة أن أستمتع وأقدّر بعضا من أروع الأعمال الفنية المصرية القديمة.”
وفيما يتعلق بقضية استعادة الآثار والأرشيفات المصرية، ترى إكرام أن المواد الأرشيفية يجب ألا تُجمع كلها في مكان واحد “لأن ذلك يشكل خطرا كبيرا”، وتقترح أن تُرسل نسخ رقمية منها إلى مصر إن لم تكن متاحة عبر الإنترنت. أما عن عودة الآثار، فتقول: “الأمر يعتمد على نوع القطعة؛ فبعضها يجب أن يبقى في مكانه لأنها أفضل سفراء لمصر اجتماعيا واقتصاديا، لكن هناك قطع معينة مثل تمثال رأس الملكة نفرتيتي في ألمانيا يجب أن تُعاد.”
وتضيف: “آمل أن يصبح المتحف ليس فقط مكانا لمشاهدة القطع الأثرية، بل مركزا للتعاون اليومي بين الزملاء المصريين والأجانب للكشف عن مزيد من أسرار هذه الحضارة الاستثنائية.”
مونيكا حنا
مونيكا حنا عالمة آثار ومصريات مصرية بارزة وناشطة في مجال حماية التراث الثقافي، معروفة بدعوتها القوية إلى تفكيك الطابع الاستعماري لعلم المصريات واستعادة القطع المصرية المهمة من المتاحف الأجنبية. وهي مؤلفة كتاب مستقبل علم المصريات الذي تقدم فيه رؤية لإعادة إحياء التراث المفقود. حنا حاصلة على بكالوريوس في علم المصريات والكيمياء الأثرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودكتوراه في الآثار من جامعة بيزا في إيطاليا، وتشغل حاليا منصب عميدة كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية ببغداد.
تعمدت حنا ألا تزور القاعات المفتوحة في المتحف خلال العام الماضي لأنها تريد أن تشاهد كل شيء “بعين جديدة” وتخوض التجربة كاملة عند الافتتاح.
تقول حنا: “العالم يعرف عن حضارتنا القديمة أكثر مما نعرف نحن، وهذا يجب أن يتغير. الأمر يتطلب سياسة مختلفة تجاه إدارة التراث والماضي، وهو ليس دور المتحف وحده. سيستغرق الأمر خمس سنوات على الأقل بعد الافتتاح لنتمكن من تقييم الأثر الحقيقي. هل سيكون المتحف مجرد عرض جميل للسياح؟ أم سيكون فضاء عاما مصريا تُناقش فيه هوية التراث ويلتقي فيه الماضي بالحاضر عبر الفن والمعارض والبحث الأكاديمي؟”
ورغم انبهارها بجمال المعروضات وضخامة المساحة، إلا أنها تتحفظ قبل إصدار حكم نهائي: “كباحثة، أنتظر أن أرى مدى إتاحة المتحف للباحثين”.
وترى أن وجود مؤسسة مثل المتحف المصري الكبير يقوّي موقف مصر في ملف استعادة الآثار، لكنها تشدد: “نحن لا نريد فقط عودة القطع، بل نريد استعادة حق المصريين في إنتاج المعرفة عن ماضيهم، فالمعرفة أغلى من الذهب”.
وتضيف: “أود أن أرى المتحف مساحة لإنتاج المعرفة، ليس فقط من خلال الأبحاث، بل أيضا عبر محاضرات عامة أسبوعية عن جوانب مختلفة من مصر القديمة، ومعارض تربط بين الفن والآثار وتصل بين مصر القديمة والحديثة، بالإضافة إلى تسهيل دخول المصريين من خلال تسعيرة مناسبة — مثل جعل الدخول مجانيا ليوم واحد شهريا”.