? عن الاستثمارات الهشة في عالم الجيمز: في عالم اليوم، إن استطاع فرد أن يضفي خاصية الندرة على أي شيء وسط إقبال كبير عليه، يتحول هذا الشيء تلقائيا إلى فرصة استثمار ذهبية. وهنا لا نتكلم فحسب عن عالم المعادن النادرة والعملات الرقمية، بل أيضا عن عالم كامل يعرفه جيدا عشاق ألعاب الفيديو، وهو سوق السلع الافتراضية الذي يضم عناصر تتكون منها البيئات الرقمية للألعاب. هذه السوق التي تجاوز حجمها 112 مليار دولار خلال 2025 قد أثبتت هشاشتها، والسبب؟ كاونتر سترايك 2.
الأمر يتطلب "أبديت" واحد صغير: دهش لاعبو كاونتر سترايك 2 الخميس الماضي بتحديث صغير أجرته شركة فالف المطورة للعبة، منح جميع اللاعبين إمكانية استبدال خمسة عناصر عادية بعنصر نادر. كان الأمر في البداية متروكا للاعب وحظه، فإن استطاع أن يفتح صندوقا ووجد فيه عنصرا نادرا فهو له، إما ذلك أو شراء العناصر النادرة مثل السكينات (Skins) والأسلحة والقفازات وغيرها من منصة ستيم بشكل رسمي، أو من منصات غير رسمية مقابل مئات وآلاف الدولارات. هذه العناصر التي صممت بالأساس لتحسين تجربة اللعب من خلال تخصيص اللاعب لمظهره وشخصيته، تحولت إلى ما يشبه العملة النادرة التي تزيد قيمتها باستمرار.
فوضى تطال الجميع: التحديث الذي قدمته الشركة يمنح اللاعبين جميعا فرصا أكثر للحصول على تلك العناصر، في تحول بعيد عن الاحتكار الذي كانت تمارسه قلة محظوظة فقط. ولكن ثمن هذا التحديث كان باهظا على المستثمرين وعلى الشركة نفسها، إذ هوت القيمة السوقية للعبة إلى 4.2 مليار دولار، في خلال ساعات من إعلان التحديث، وذلك بعد أن كانت تلامس حاجز 6 مليارات دولار. التأثير طال اللاعبين أيضا، إذ تراجعت قيمة المجموعة التي كان يمتلكها واحد من أشهرهم من 58 ألف دولار إلى 18 ألفا فقط في أقل من يوم، حسبما أعلن فيبث مباشر، كما شهد لاعب آخر أكبر خسارة فردية مسجلة بنحو 550 ألف دولار.
أموال سهلة؟ صعوبة الحصول على هذه العناصر داخل اللعبة أغرت الباحثين عن فرص ذهبية لمضاعفة أموالهم عبر الاستثمار فيها من خلال شرائها ثم إعادة بيعها بأثمان باهظة على منصة ستيم، وحتى تكوين سوق غير رسمية للتداول والمضاربة. كيف لا وقد بيع عنصر نادر يونيو الماضي مقابل مليون دولار تقريبا، في صفقة هي الأكبر في تاريخ اللعبة. ولكن التحديث الجديد في اللعبة ضرب طموحات المستثمرين الصغار في مقتل.
قرار فالف بإضافة هذا التحديث يبدو مربكا بعض الشيء: شركة فالف تمتلك منصة ستيم الشهيرة، التي تمثل الوجهة الرسمية لشراء وبيع الألعاب والسيكنات وغيرها، ووجود حالة من المضاربة وندرة في عناصر لعبتها الأهم يرفع من سعر هذه العناصر بطبيعة الحال. فحتى وإن لم تتحصل الشركة على أي نسبة من عمليات البيع التي تتم عبر منصات خارجية، فإن زيادة أسعار هذه العناصر على منصة ستيم يعني زيادة نصيبها من كل عملية تتم هناك، بحسب الجارديان. ولكن هذا التحديث يأتي بنتائج مغايرة تسلب هذه العناصر ندرتها وهوس اللاعبين بالمضاربة فيها، فحتى وإن كان الهدف التحكم في أسواق المضاربة، فإن فالف تراهن بخسارة الهالة الموجودة حول لعبتها، والتي تصب في صالحها في نهاية الأمر. جدير بالذكر أن الشركة لم تصدر أي بيان يشرح أسباب هذا التغيير الجوهري.
مقامرة من نوع آخر: يشيع تداول عناصر الألعاب في سوق السلع الافتراضية بشكل كبير بين المراهقين الشباب، وتحديدا الذكور، إذ أن الأولاد من سن 11 إلى 14 سنة أكثر عرضة بمرتين للمقامرة في الألعاب من أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و24 سنة، ما يعني أن الألعاب قد تدخل الأطفال عالم المقامرة من سن صغيرة للغاية، خاصة في الألعاب ذات الطبيعة التنافسية العالية وتلك القائمة على الحظ البحت، بحسب بحث نشرته وزارة الثقافة البريطانية. كما أن ممارسة المراهقين لهذا النوع من المقامرة قد يعكس ميلهم إلى تكوين مشكلة مقامرة أكثر خطورة مع مرور الوقت.
المضاربة في عالم السكينات تمنح اللاعب شعورا زائفا بالسيطرة، ووهما بتحقيق المكاسب المالية طويلة الأمد. في حين أن تعرض المراهقين لكل تلك المحفزات يعزز لديهم التعلق المرضي بشعور اللذة والمتعة الناتجة عن البيع والشراء، قبل أن يتغير عنصر بسيط في بيئة اللعبة فتتهاوى على إثره طموحاتهم، تماما كما حدث في كاونتر سترايك. هذه الممارسات أيضا تجعل المراهق ضحية مغرية للاحتيال والخداع، إلى جانب المخاطر المتعلقة بأمن البيانات، خاصة في ظل عدم وجود قوانين أو أطر تنظيمية واضحة لعمل هذه المنصات، التي تشكل عالما كاملا موازيا ينخرط فيه المراهقون دون السن القانونية بشكل هائل.