? نتفليكس تعلم جيدا المهووسين بالتصفح المستمر.. وتصمم منصتها من أجلهم: من منا لم يبدأ مسلسلا على نتفليكس، ثم يجد نفسه في منتصف الأحداث ممسكا بهاتفه ليتصفح تيك توك أو إنستجرام أو يرد على الرسائل ويرى الإشعارات. نتفليكس تدرك تماما طبيعة هذا السلوك، والأكثر من ذلك أن عملاق البث تعمل بجد لتصميم محتوى يتماشى مع سلوكيات مستخدميها وتركيزهم المشتت.
لست وحدك: 91% من مستهلكي الولايات المتحدة ينظرون إلى هواتفهم أثناء مشاهدة التلفزيون، بحسب دراسة أجرتها منصة يوجوفعام 2023. وفي دول مثل الإمارات والهند وأستراليا، أفاد أكثر من نصف المستخدمين أنهم يعمدون إلى تشغيل التلفزيون في الخلفية أثناء تصفح جهاز آخر، في ما يعرف بظاهرة الشاشة الثانية. ولكن ما تكشفه الأبحاث على وجه التحديد أن هذه المشكلة ليست مجرد مشكلة جيلية، فبينما ينتشر استخدام الهاتف أثناء مشاهدة التلفزيون بين الأعمار 18-34 عاما في بعض دول العالم، هناك دول ينتشر فيها هذا السلوك بين الفئة العمرية الأكبر من 35-54 عاما.
لم تكتف عملاق البث بملاحظة هذا التوجه، بل إنها في الواقع تعمل على الاستفادة منه. إذ أن المدراء التنفيذيين في نتفليكس يوجهونكتاب السيناريو بشكل واضح وصريح نحو كتابة شخصيات تعلن شفهيا عما تفعله، حتى يتمكن المشاهدون المنشغلون بهواتفهم من متابعة الأحداث دون النظر. والنتيجة؟ الحوار أصبح ساذجا، وفيلم أيريش ويشللينزيلوهان خير دليل.
هذا ما فاتك: لا تمثل هذه السياسة تحولا ذكيا تدريجيا في الحوار، بل توسعا في الشخصيات الخيالية التي تلخص حرفيا تجاربها الشخصية وخططها المستقبلية كما لو كانت تروي ملخصا ما. وفي ما يصف البعض ذلك بالكسل أو ضعف الكتابة، يرى آخرون أن كل ذلك جزء من استراتيجية مدروسة. فمثلا صرح جاستين بيتمان المخرج والممثل الشهير عام 2023 أن القائمين على المسلسلات تلقوا ملاحظات من منصات البث تفيد أن المحتوى بحاجة إلى تعديل ليتلائم مع ظاهرة الشاشة الثانية. ومؤخرا، ناقش ديفيد هاربر نجم مسلسل سترينجر ثينجز، هذه الظاهرة في بودكاست " ميس مي "، مشيرا إلى أن الاستوديوهات "تطلب أفكارا يسهل على المشاهد تجاهلها ليتمكن من تصفح هاتفه كما يشاء".
السؤال لا يتعلق بضرورة وجود محتوى سهل المتابعة، فهناك دائما مساحة للأعمال الجادة التي تتطلب تركيز المشاهد وتلك التي ترفه عنه بأقل مجهود. إنه لأمر مريح أن يتابع المرء مسلسلا مألوفا في الخلفية بإمكانه تشتيت انتباهه بين الحين والآخر، حسبما يرى الكاتب جيمس هاميلتون، مؤكدا أنه سيكون من السخافة أن يتوقع صناع السينما والدراما أن يبتكروا عملا يتطلب الانتباه الكامل مئة في المئة. ذلك لا يعني أن المشاهد ببساطة لا يستطيع أن يولي انتباهه لشيء في المطلق، أو أن القصص يجب أن تصاغ عمدا لأولئك الذين لا يكترثون. المشكلة تنشأ إذا حاول كل مسلسل أو فيلم أن يضع نفسه في فئة محتوى الشاشة الثانية، فذلك يجعل المحتوى المبتكر لا يستحق الانتباه والتركيز، وبهذا يدور الجميع في حلقة مفرغة لا نهاية لها.