أطلقت مجموعة إتش إس بي سي “مراجعة استراتيجية” لأعمال التجزئة المصرفية في مصر، حسبما ذكره البنك العالمي في بيان (بي دي إف) صدر الخميس الماضي عصرا. وقال البنك إن وحدات الخدمات المصرفية التجارية والمؤسسية التابعة لبنك إتش إس بي سي مصر ليست جزءا من المراجعة وتظل أساسية لاستراتيجيته في البلاد.
ترتبط الغالبية العظمى من الشركات الكبرى، سواء متعددة الجنسيات أو المصرية، بعلاقات مصرفية وثيقة مع “إتش إس بي سي”، وهو وضع لا يُتوقع أن يتغير. قال البنك في بيان: “مصر سوق مهمة لبنك إتش إس بي سي وتتمتع بإمكانات قوية للنمو. وسيواصل إتش إس بي سي التركيز على دفع تدفقات التجارة والاستثمار في الاتجاهين لدعم العملاء متعددي الجنسيات العاملين في مصر وتمكين العملاء المحليين من الشركات الكبرى من تحقيق طموحاتهم الدولية”.
فهل يعني هذا أن “إتش إس بي سي” سيبيع وحدة أعمال التجزئة المصرفية؟ ليس بالضرورة. إذ تقول المراجعة فقط إنهم يقيّمون الخيارات المتاحة. أوضح البنك: “ستغطي مراجعة مجموعة إتش إس بي سي أعمال التجزئة المصرفية لبنك إتش إس بي سي مصر فقط. وستنظر في جميع الخيارات المتاحة لأعمال التجزئة المصرفية، ولم تُتخذ أية قرارات”. وفي غضون ذلك، تسير الأعمال كالمعتاد، لا سيما بالنسبة لما يسميه “إتش إس بي سي” جانب “الشركات الكبرى” من الأعمال، الذي يشمل وحدات الخدمات المصرفية التجارية والمؤسسية.
السياق- تضع مجموعة “إتش إس بي سي” المراجعة ضمن “عملية التبسيط المستمرة عالميا”. ويقلص البنك حضوره تدريجيا في قطاع التجزئة المصرفية عالميا، مع التركيز في معظم الأسواق على الخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات، بالإضافة إلى الخدمات المصرفية الخاصة وإدارة “الثروات”. وبدأت تلك العملية في منتصف عام 2023، عندما وضع المدير المالي آنذاك جورج الحيدري 12 دولة على “قائمة الأسواق المرشحة للخروج منها” — وتسارعت بعد أن أصبح رئيسا تنفيذيا للبنك العالمي في عام 2024 باستراتيجية لتبسيط الأعمال ودفع النمو في الأسواق الأساسية بما في ذلك آسيا والشرق الأوسط.
وانسحب البنك من جنوب أفريقيا هذا العام وهو بصدد بيع ذراعه للتجزئة في أستراليا. ويأتي هذا في أعقاب خروجه الكامل من كندا في مارس 2024، الذي شهد بيع عملياته إلى بنك “آر بي سي”. كذلك أعلن “إتش إس بي سي” خططه للخروج الكامل أو بيع عمليات التجزئة في فرنسا والأرجنتين والبحرين وبنغلاديش — أو أكمل تنفيذ هذه الخطط بالفعل.
“إتش إس بي سي” ليس وحده: تنفذ البنوك متعددة الجنسيات عملية “إعادة هيكلة لحجم عملياتها” في الأسواق الناشئة، والتخلص من أذرع التجزئة كثيفة رأس المال، للتركيز بشكل مضاعف على الأعمال المؤسسية وإدارة الثروات ذات الهوامش الأعلى.
وأيما تكون نتيجة المراجعة، نتوقع أن يظل ذراع “إتش إس بي سي” للخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات في مصر لسنوات قادمة. إذ تعد مصر سوقا مهمة للبنك، وقد عمل “إتش إس بي سي” مصر لسنوات بجهد مضاعف تحت قيادة الرئيس التنفيذي تود ويلكوكس لجذب أعمال جديدة إلى هنا من آسيا ومن ممرات تجارية واستثمارية أخرى. وتعد خدمة عملاء الشركات ذات الهوامش المرتفعة في الداخل والخارج هي العمود الفقري لأعمال “إتش إس بي سي”.
واستنادا إلى اتجاه المراجعة، تتراوح خيارات “إتش إس بي سي من “عدم اتخاذ أي خطوة” إلى “العثور على مشترٍ لأعمال التجزئة المصرفية”. وإذا لجأ البنك إلى الخيار الثاني، فربما يجد العملاء الأفراد أن حساباتهم ستُحول جماعيا إلى مؤسسة أخرى — وهو حدث ليس جديدا في مصر.
في أغسطس 2015، باع سيتي بنك – مصر محفظة التجزئة المصرفية الخاصة بها إلى البنك التجاري الدولي، المدرج في البورصة المصرية. واشترى البنك التجاري الدولي حسابات الودائع ومحفظة بطاقات الائتمان ومحفظة القروض الشخصية وشبكة الفروع وماكينات الصراف الآلي التابعة لسيتي بنك. وانضم العديد من موظفي سيتي بنك البالغ عددهم 900 موظف إلى البنك التجاري الدولي في ذلك الوقت، وانتقلوا في نفس الوقت مع نحو 100 ألف حساب و90 ألف بطاقة ائتمان وتسعة فروع. وانتهت الصفقة على مدار عامي 2016 و 2017، وحينها أشرف البنك المركزي المصري على العملية بين المؤسستين.
كيف تحدث عملية فصل الأعمال؟ ستحتاج هذه الخطوة إلى موافقة البنك المركزي المصري لبيع أو تحويل محافظ البطاقات والقروض والحسابات إلى البنك المستحوذ. ويتضمن هذا اختبار تحمل صارما للتأكد من أن البنك المستحوذ لديه رأس المال والسيولة والقدرة التشغيلية لاستيعاب الأصول والالتزامات الجديدة دون التأثير سلبا على سلامته المالية. كذلك سيطلب البنك المركزي من الطرفين وضع خطة انتقال للعملاء تحدد كل ما يمكن أن يتوقعه المقترضون والمودعون على حد سواء — بدءا من التأكيدات بأن بطاقات الائتمان والحسابات ستستمر في العمل ووصولا إلى كيفية التعامل مع نقاط الولاء.
صفقة نادرة: كانت آخر خطوة كبيرة في القطاع المصرفي المصري هي استحواذ بنك أبو ظبي الأول في عام 2021 على بنك عوده. وطالما أشار النقاد إلى أنه بوجود 37 بنكا (بي دي إف)، فإن القطاع في مصر مهيأ لعمليات الاندماج. وقد أدى هذا إلى إصدار البنك المركزي توجيهات إلى المؤسسات المهتمة بدخول السوق المصرية للنظر في عمليات الاستحواذ بدلا من التقدم بطلب للحصول على ترخيص مصرفي جديد. ودخل بنك ستاندرد تشارترد مصر العام الماضي ليس بترخيص مصرفي محلي كامل، ولكن بموجب قواعد تسمح للبنوك الأجنبية بترقية مكاتب التمثيل العاملة في البلاد إلى فرع متكامل يركز بشكل أساسي على الخدمات المصرفية للشركات والاستثمار، ولا يقبل ودائع من مستثمري التجزئة.
إتش إس بي سي بالأرقام: افتتح البنك عملياته في مصر في عام 1982 تحت اسم بنك هونج كونج المصري، ويمتلك اليوم 4200 موظف و 53 فرعا. وتعد مصر أيضا مقرا لـ “مركز خدمة عملاء عالمي” تابع لبنك “إتش إس بي سي” يقدم الدعم لعمليات “إتش إس بي سي على مستوى العالم.