💼 عن ثقافة التغيير وتغيير الثقافة: أصبحت مهمة تغيير الثقافة في أماكن العمل أحد أبرز التحديات التي يواجهها القادة التنفيذيون اليوم وأكثرها إحباطا أيضا. فبالرغم من ضخ ملايين الدولارات في مبادرات تهدف إلى تغيير الثقافة التنظيمية، تظهر الأبحاث باستمرار أن أغلب هذه الجهود لا تحقق نتائج مستدامة. ولتفسير ذلك، يجب النظر إلى ما هو أبعد من الكلمات البراقة والمبادرات الضخمة، والتعمق في الكيفية الحقيقية التي تتغير بها الثقافة داخل المؤسسات.

تتناول كبرى شركات الاستشارات مفهوم تغيير الثقافة المؤسسية بوعود براقة، إذ تؤكد أن المؤسسات التي ترسخ ثقافة صحية تكون أكثر قابلية لتحقيق أداء أفضل بمقدار خمسة أضعاف، وقادرة على رفع عوائد المساهمين وتنمية الأرباح التشغيلية بنسبة قد تصل إلى 500%. هذه الشركات تروج لفكرة أن الثقافة ليست سوى سلوك جماعي واسع النطاق، يمكن تفعيله عبر ممارسات تنظيمية ممنهجة تدمج بعمق في السياسات والإجراءات الداخلية للمؤسسة.

لكن هذه المنهجيات تكشف عن سوء فهم جوهري لطبيعة التغيير الثقافي. فهي تركز بشكل مفرط على الهياكل والسياسات والإجراءات، أي على ما يمكن تسميته بالتدخلات الشاملة. وهذه التغييرات غالبا ما تنفذ من بعيد وبصورة مركزية، من قبل فرق الإدارة العليا بالتعاون مع المستشارين داخل قاعات الاجتماعات، بعيدا تماما عن واقع العمل اليومي.

فخ التعميم: تبني حل واحد يفترض أنه يصلح للجميع غالبا ما يتحول إلى عمل معقد ومرهق لا يمكن توسيعه أو تكراره بفاعلية. قد يتجلى هذا النهج في إعادة تصميم إجراءات الموافقات الخاصة بمشروعات البحث والتطوير، أو في السعي إلى ترسيخ ثقافة الإنجاز من خلال تعديل أنظمة التعويض والحوافز. تبدو هذه التدخلات براقة وتشير ظاهريا إلى التزام جاد بالتغيير، لكنها في الغالب تفشل لأنها تستهدف المجال الخطأ، وتنتهي بدفع المسؤولية نحو الأسفل.

كيف تعمل آليات التوجيه في الواقع: ظهرت هذه الفكرة لأول مرة في مقال نشرته مجلة هارفارد بزنس ريفيو عام 1993، ثم أعاد روجر إل مارتن تناولها في كتابه A New Way to Think عام 2022. يقدم مفهوم آلية التوجيه إطارا مختلفا لفهم طبيعة عمل المؤسسات بوصفها نظاما متكاملا يقوم على ركيزتين أساسيتين: الآليات الرسمية، وتشمل الهياكل والأنظمة والإجراءات المصممة لتحقيق الأهداف التنظيمية، والآليات الثقافية، وهي الإرشادات الذهنية التي تشكل أنماط التفكير الجماعي وتوجه السلوك داخل المنظمة.

دراسة حالة نظرية: لنفترض أن موظفا من أصحاب الأداء المتميز وبخ أحد مرؤوسيه بطريقة مسيئة ومهينة أثناء اجتماع عمل. ومع تكرار هذا السلوك، يبدأ الآخرون في تفسيره باعتباره تسامحا ضمنيا مع الإهانة ما دام مرتكبها يحقق نتائج عالية. عندها تتكون خريطة ذهنية غير معلنة داخل المؤسسة مفادها أن السلوك العدواني مقبول طالما أنك من النجوم المتميزين، وإذا كنت تعمل تحت إشراف أحدهم فعليك تقبله، وإن أصبحت أنت أحد هؤلاء لاحقا، فلك أن تمارس مثل هذا السلوك.

في الثقافات القوية — وليست بالضرورة الجيدة — يتفق الجميع على تفسير واحد لمثل هذه المواقف. أما في الثقافات الضعيفة، فتتنوع التفسيرات ولا يتكون إطار ذهني موحد. الفكرة الأساسية هنا أن الثقافة تنشأ من مجال يعرف على أنه “الآليات التفاعلية بين الأفراد”، وهي الأنماط التي تتشكل عندما يتعاون الأعضاء على فهم المشكلات وحلها. ولا نؤثر الآليات الرسمية بشكل مباشرة في الآليات الثقافية، بل تمر العلاقة بينهما عبر هذا المجال التفاعلي أو الشخصي.

قد يبدو أن إحداث تغيير ثقافي على المستوى الفردي في مؤسسة تضم مئات الموظفين مهمة شاقة تستغرق زمنا طويلا، لكنها ليست كذلك بالضرورة. ففي بيئات العمل، يراقب المديرون سلوك القيادات العليا بدقة، وحين يجسد القادة في تفاعلاتهم اليومية السلوكيات التي يرغبون في ترسيخها لدى فئة المديرين، تبدأ عملية المحاكاة سريعا، لتنتشر عبر السلم الإداري بوتيرة تفوق التوقعات.

العائد المنتظر: غالبا ما تعد الأساليب الشاملة بتحقيق نتائج سريعة، لكنها نادرا ما تقدم قيمة مستدامة. فعادة ما تشهد المؤسسات دفعة أولى خلال 30 إلى 60 يوما مع تزايد الحماس حول الإعلانات والهياكل الجديدة، لكن بعد مرور 3 إلى 6 أشهر تظهر فجوة بين التوقعات والواقع، حين يدرك الموظفون أن شيئا جوهريا لم يتغير. ثم تأتي مرحلة التراجع بين 6 و18 شهرا، حين يبدأ التشكيك وتتلاشى الثقة مع انضمام المبادرة إلى قائمة المحاولات الفاشلة السابقة. والنتيجة النهائية هي تأثير محدود المدى وتراجع في مصداقية أي مبادرات مستقبلية.

ماذا لو ورثت ثقافة سامة يسودها الخوف أو الصراعات أو الإساءة؟ عندها تصبح السرعة عاملا حاسما. يشير الخبراء إلى ضرورةإبعاد الأفراد السامين، لأنهم يفسدون البيئة التفاعلية اليومية. وعلى القيادة الجديدة الراغبة في إحداث تغيير أن تكثر من التواصل بشأن القيم والعناصر الجديرة بالحفاظ عليها، مع توضيح ما يحتاج إلى تطوير ثقافي، وأن تجسد السلوكيات الجديدة دون إلغاء ما هو إيجابي من السلوكيات القديمة. كما أن خلق شعور بالأمان النفسي عبر إظهار التواضع والانفتاح على الملاحظات يعزز ثقة الأفراد في أن التغيير جاد وحقيقي.