📖 رائد الأسبوع — رائد الأسبوع فقرة أسبوعية كل ثلاثاء، نتحاور خلالها مع أحد المؤسسين عن كيفية النجاح في مجتمع الشركات الناشئة في مصر، كما نعرف المزيد عن تجربته في إدارة الأعمال التجارية ونصائحه لرواد الأعمال الناشئين. تتحدث إلينا هذا الأسبوع هند واصف (لينكد إن)، المؤسسة المشاركة لمكتبةديوان.

اسمي هند واصف، وأنا الشريكة المؤسسة لمكتبة ديوان. أسسنا ديوان عام 2001 وافتتحنا أول فروعنا عام 2002. منذ البداية، قدمت ديوان شيئا مختلفا ومثيرا، إذ أضفت حالة جديدة في مجال الثقافة والقراءة، في وقت لم يكن فيه هذا المجال في أفضل حالاته. وأعتقد أن ديوان ما زالت تقدم نفس هذه القيمة إلى اليوم. على مر السنوات، توليت عدة مناصب من بينها المديرة العامة والرئيسة التنفيذية، كما كنت مسؤولة عن العمليات وعن قسم الكتب العربية. حصلت على درجة البكالوريوس من الجامعة الأمريكية في القاهرة بتخصص رئيسي في العلوم السياسية وفرعي في الأدب الإنجليزي والأدب المقارن، ثم تابعت دراسة الماجستير في الأدب الإنجليزي والأدب المقارن.

ما جذبني إلى دراسة العلوم السياسية هو جانبها النظري. أحب ربط الأفكار بطريقة منطقية ثم محاولة تطبيقها على أرض الواقع. بعد ذلك، اتجهت إلى الفلسفة ثم الأدب. بالنسبة لي، أجد في الرواية والكتابة السردية والمسرح والشعر جوهر الحقيقة الإنسانية. لا أقصد بذلك التقليل من أهمية الكتابات غير الأدبية أو التاريخ الفعلي، لكنني أؤمن بأن الفن والخيال الأدبي هو المجال الذي تعبر فيه الإنسانية عن إمكاناتها الحقيقية.

لم أكن أعرف ماذا علي أن أفعل بعد التخرج. في تلك المرحلة من الحياة، يغلب علينا التفكير المثالي والرغبة في تقديم شيء للمجتمع، لذا عملت في مجال التنمية. التحقت بمجلس السكان لدراسات الفقر والنوع والشباب لمدة خمس سنوات، وكنا نجري دراسة عن مرحلة المراهقة، وكانت تجربة مثيرة للاهتمام لأنها تناولت فئة لم تدرس من قبل. بعد ذلك، عملت بالتدريس بداوم جزئي في الجامعة الأمريكية لمدة أربع سنوات، وكان من الممتع التواصل مع الشباب والتعرف إلى طريقة تفكيرهم ورؤيتهم لدورهم بشأن التأثير في المجتمع تاثيرا إيجابيا. وهناك بدأت أرى الرابط بين الأدب والتنمية الاجتماعية.

كنا خمسة أصدقاء: أنا ونادية، وثلاثة شركاء آخرين. كان كل منا يشعر أنه في مفترق طرق مهني، ولا يعرف ما هي خطوته التالية. وفي إحدى الجلسات كنا نتأمل سؤالا افتراضيا: ماذا لو أسس كل منا مشروعه الخاص، ماذا سيكون؟ اتفقنا جميعا على أننا سنفتح مكتبة، لماذا؟ لأننا شعرنا أن عالم الكتب بحاجة إلى تجديد. وهنا بدأنا نرسم الفكرة في أذهاننا: ستكون المكتبة جسرا بين الشرق والغرب، لأننا نحن مزيج من الشرق والغرب وكل ما بينهما، وستضم كتبا بأربع لغات لأننا نتحدث أكثر من لغة.

ما جعل ديوان تتحول إلى واقع فعلي كان المكان. وقعنا في حب موقع أول فروعنا في الزمالك، وقلت في نفسي: “إذا لم تنجح مكتبة في هذا المكان، فلن تنجح في أي مكان آخر”. إنشاء ديوان كان تجربة مليئة بالمحاولة والخطأ، فلم يكن لدينا نموذج نحتذي به. تعلمنا من أخطائنا، وأحيانا كانت المخاطرة كبيرة، لكننا ممتنين لأننا خضنا تلك التجارب. ما يميز ديوان اليوم هو أنها تعبر بصدق عنا، فأنا لا أؤمن بالسير مع الموجة لمجرد اتباعها، بل لترك أثر يغير اتجاهها ويضيف إليها ما لا يستطيع غيرك تقديمه. وأعتقد أن ديوان فعلت ذلك، ولا تزال تفعله حتى الآن.

كنت أفضل الإصغاء للنقد قبل البحث عن المديح. وفي البدايات، كنا نتعلم من عملائنا. وأيا ما كانوا يطلبونه، كنا نسعى لتوفيره، وفي 99% من الحالات كانت تلك المعادلة ناجحة. فالسر هو أن تنصت لعملائك دائما، وأن تقدم لهم كل ما هو جديد، ليس جديدا يصدمهم أو ينفرهم، بل جديدا يثير فضولهم ويتحداهم.

كنت أشعر بالقلق من كلمة “النجاح”، لكن بصراحة، المرة الأولى التي أحسست فيها أن ديوان أحدثت فرقا كانت في يوم الافتتاح نفسه. بدأنا بنسخة واحدة فقط من كل كتاب، وكنا نخاف ألا نبيع شيئا، إذ لم يصدق أحد أننا سننجح. ومع ذلك، نفدت جميع الكتب. أعتقد أن النجاح مفهوم معقد، إذ يتطلب منك أن تجدده يوما بعد يوم. وما يملؤني فخرا حقا أن فريق خدمة العملاء الذي التحق بنا منذ البدايات أصبح اليوم يقود فروع ديوان المختلفة.

حلمنا دائما، الذي لم نتمكن بعد من تحقيقه، هو التوسع خارج حدود القاهرة والإسكندرية والمدن السياحية. أحلم بأن تصبح ديوان موجودة على مستوى الجمهورية، في مدن الدلتا والصعيد، حيث الحياة الثقافية نابضة بشهادة الجميع، وحيث تكثر أعداد السكان، لكن الخدمات الثقافية لا تزال محدودة للغاية.

أرغب في رؤية مزيد من التواصل الواقعي داخل هذه الصناعة. فالجميع اليوم على تواصل افتراضي، لكن ما أراه مهما حقا هو التواصل الحقيقي داخل مكتبة حقيقية، مع كتاب في اليد وشخص تحاوره ومحاضر يتحدث أمام جمهور يتفاعل معه. كما أن هذه الصناعة لا تزال مثقلة بالبيروقراطية، وأتمنى أن أشهد شراكات بين مختلف القطاعات، بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

من أكثر لحظات السعادة والرضا التي يمنحها العمل في ديوان تلك اللحظة التي تضع فيها كتابا بين يدي قارئ، وتراه يغادر به إلى منزله، ثم تسمع لاحقا كيف غير هذا الكتاب شيئا في حياته، فتلك تجربة ترضى النفس لأبعد حد. في المقابل، يبقى الجانب الأصعب هو التساؤل اليومي الدائم “أي أزمة علي أن أحلها؟”، فكل شيء كان جديدا، ونمو العمل وتوسع الفريق جلبا معهما تحديات من نوع خاص.

آخر كتاب قرأته كان Midnight in Cairo من تأليف رافاييل كورماك. وهو دراسة عن الحانات والمقاهي في القاهرة عند مطلع القرن، ويتناول فيه الكاتب عالم الغناء والرقص والفنون، خصوصا ذلك النوع من الموسيقى والأداء الذي ارتبط بتشكيل الهوية الوطنية وبداية حركة الاستقلال السياسي.

لو لم أشارك في تأسيس ديوان، لأصبحت معلمة. أقدر التواصل مع الشباب، لأن التعليم في جوهره عملية تبادل، فأنت تتعلم فيه بقدر ما تعلم. كانت فترة تدريسي من أكثر المراحل إلهاما في حياتي، وحتى اليوم يفاجئني بعض طلابي القدامى برسائل يقولون فيها “هل تتذكريني؟ لقد درست لي”، خصوصا بعد إطلاق بودكاست في الديوان.

لو كنت سأنصح نفسي في سن أصغر، لقلت تعلمي أكثر عن أساسيات العمل المملة مثل المحاسبة، وقراءة الميزانيات، وما إلى ذلك. سأنصح نفسي بتعلم كل الأمور التي لا أعرفها بطبيعة الحال. وأقول لرواد الأعمال الشباب اليوم، لا تتعجلوا. فالتسرع قد يكلفكم الكثير، ورغم إيماني بأهمية السعي وراء الأحلام، فمن المهم أيضا توخي الحذر. ولا تظنوا أبدا أنكم وصلتم إلى قمة النجاح، لأن ذلك سيكون بداية النهاية.

العلامات: