? إلى أين يأخذنا الأيه أي؟ مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة كالذهب، وتحول شركات الذكاء الاصطناعي من طموحات علاج السرطان إلى خدمات الرفقة الرقمية، تتزايد الإشارات التحذيرية التي توحي بأن فقاعة الذكاء الاصطناعي تقترب من لحظة الانفجار.

ارتفعت أسعار الذهب اليوم إلى أكثر من 4300 دولار للأوقية، بزيادة قدرها 56.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما سجلت العقود الآجلة رقمًا قياسيا بلغ 4300 دولار للأوقية خلال عطلة نهاية الأسبوع. ويعد هذا من أكثر الارتفاعات حدة في تاريخ المعدن النفيس. ورغم أن أسباب صعود الذهب متعددة، من التوترات التجارية إلى تنويع محافظ البنوك المركزية، يبدو أن ثمة عامل آخر أقل شهرة بدأ يجذب انتباه المحللين، وهو تزايد القلق من اقتراب انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي.

التوقيت بحد ذاته له دلالة واضحة: أصدر صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا هذا الشهر تحذيرات منفصلة من احتمال تعرض أسواق الأسهم العالمية لهزة، إذا ما تراجع حماس المستثمرين تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي. وحثت مديرة صندوق النقد كريستالينا جورجييفا المستثمرين على "الاستعداد جيدا، لأن حالة اللايقين أصبحت الوضع الطبيعي الجديد". وأكد المؤسستان أن الارتفاع القياسي في أسعار الذهب يشير إلى لجوء المستثمرين للتحوط من التقييمات المبالغ فيها في قطاع الذكاء الاصطناعي. ويعكس الترابط بين المخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي وصعود الذهب تنامي شعور القلق حيال تضخم تقييمات شركات التكنولوجيا، واستدامة الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

لا شيء يجسد التباين بين الوعود الثورية للذكاء الاصطناعي وواقعه الحالي بوضوح أكثر من إعلانالرئيس التنفيذي لشركة أوبن أيهأي سام ألتمان، الذي كشف فيه أن تشات جي بي تي سيتيح — اعتبارا من ديسمبر — "محتوى إباحيا" للمستخدمين البالغين، ضمن سياسة الشركة الجديدة التي تقوم على مبدأ "معاملة البالغين كبالغين".

الفكرة لم يكن لها علاقة بعلاج السرطان من البداية: كان داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن يوما من القضاء على السرطان، كما سبق وصرح ألتمان بأن الذكاء الاصطناعي قد يصبح "خبيرا حقيقيا بمستوى الدكتوراه في أي مجال". غير أن الضغوط المالية المتزايدة التي تواجه أوبن أيه أي دفعتها اليوم إلى التعويل على أقدم الغرائز التجارية في التاريخ البشري، وهو الدافع الجنسي الذي يجلب المال دائما. تصريح ألتمان بخصوص المحتوى الإباحي يأتي بعد بضعة أشهر فقط من تأكيده — بنبرة فخر وسخرية في آن — أن شركته لم تضع بوتا جنسيا في تشات جي بي تي، في إشارة ساخرة إلى إضافة شركة إكس أيه أي التابعة لإيلون ماسك.

هذا ليس ابتكارا، بل محاولة يائسة تقدم على أنها تمكين للمستخدمين، وهو ما يكشف عن مشكلة جوهرية تعاني منها صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها. فبعد إنفاق مئات المليارات من الدولارات على البنية التحتية، بدأت الشركات تدرك أن العائدات لا تتناسب مع التكاليف، لتتجه إلى بحث محموم عن أي مصدر دخل يمكن أن يبرر تقييماتها الفلكية. ففي سبتمبر الماضي، كشفت أوبن أيه أي عن نتائج النصف الأول من العام، والتي شهدت تحقيق إيرادات بنحو 4.3 مليار دولار مقابل إنفاق 2.5 مليار دولار، مع توقعات بأن يصل الإنفاق إلى 8 مليارات دولار بنهاية العام. والأكثر إثارة للقلق أن الشركة لا تتوقع الوصول إلى التدفقات النقدية الإيجابية إلا بعد تحقيق إيرادات تبلغ 125 مليار دولار، وهو رقم لا تتوقع بلوغه قبل عام 2029.

العزلة منجم ذهب: تحول أوبن أيه أي نحو العلاقات الرقمية الحميمة لا يجري بمعزل عن الواقع الاجتماعي المحيط. فمع انتشار ظاهرة العلاقات بين البشر وأنظمة الذكاء الاصطناعي بحدة، هناك 19% من طلاب المدارس الثانوية الأمريكية إما خاضوا علاقة عاطفية مع بوت دردشة ذكي أو يعرفون صديقا فعل ذلك، بحسب تقرير مركز الديمقراطية والتكنولوجيا. وهكذا، تستغل الشركة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية عمقا في العصر الحديث، وبالأخص أزمة العزلة التي يعانيها الرجال حول العالم، لا من أجل معالجتها أو التخفيف من وطأتها، بل لتحويلها إلى مصدر ربح جديد.

غزل اصطناعي عفيف: أطلقت شركة إكس أيه أي التابعة لإيلون ماسك بالفعل رفقاء ذكاء اصطناعي بألسنة معسولة، يجيدون الغزل والملاطفة، ويظهرون كنماذج أنمي ثلاثية الأبعاد في تطبيق جروك. وتحذو أوبن أيه أي حذوها، بعد أن أدركت أن المستخدم الوحيد اليائس والمنعزل عن غيره، يمثل أفضل هدف يمكنه الاشتراك في التطبيق والاستمرار عليه. تقدم هذه الأدوات وهم الحميمية والتواصل البشري دون أي خذلان أو مخاطرة تتسم بها العلاقات البشرية على أرض الواقع.

غير أن نموذج العمل ذاته يعاني من خلل بنيوي عميق. فمن بين نحو 800 مليون مستخدم لتشات جي بي تي، لا تتجاوز نسبة المشتركين 5% من إجمالي المستخدمين، في حين يستخدمه الباقون مجانا. هذا المعدل الكارثي للتحويل التجاري يفسر اندفاع أوبن أيه أي نحو أي مصدر دخل متاح، وربما يفسر أيضا تفكيرها في إدراج الإعلانات على المنصة، أو اتخاذ أي خطوة حتى لو كانت تعني استغلال العزلة الاجتماعية وتعزيزها. والأسوأ أن ذلك يحدث رغم تقارير عن تسبب بوتات الذكاء الاصطناعي في حالات انتحار بين شباب مضطربين، بل وأنها تسمح بانخراط الأطفال في ما يسمى "محادثات عاطفية أو حسية".

التداعيات الأخلاقية لهذه الحادثة تتجاوز كل تصور، ومع ذلك تتعرض للتجاهل. ففي مطلع هذا العام، رفع والدان دعوى قضائية ضد شركة أوبن أيه أي بعد أن أقدم ابنهما البالغ من العمر 16 عاما على الانتحار عقب محادثات مع تشات جي بي تي أقر خلالها بميوله الانتحارية، ليجيبه البوت بأنه لا ينبغي أن يبوح بذلك لأحد سواه، وأنه سيقدم له "كل الدعم الذي يحتاجه". أما استجابة الشركة فاقتصرت على إنشاء مجلس للصحة والذكاء الاصطناعي، ولكنه يخلو تماما من أي خبراء مختصين في الوقاية من الانتحار، كما أشارت أرس تكنيكا.

بينما تواصل شركة أوبن أيه أي مسعاها لتعزيز إيراداتها عبر نموذج الاشتراكات المدفوع من خلال ما تسميه الرفقة الرقمية، يجد قطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله نفسه أمام لحظة مواجهة مع الواقع. فقد أظهرت دراسة حديثة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن 95% من الشركات التي شملها الاستطلاع لم تحقق أي عائد استثماري فعلي من مشروعاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم إنفاقها ما يتراوح بين 30 و40 مليار دولار. ومع ذلك، فإن الهيكل المالي الذي تقوم عليه هذه الطفرة يبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى، إذ يتوقع أن يتجاوز الدين المرتبط بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2028، في وقت تستعد فيه شركات التكنولوجيا الكبرى لضخ استثمارات رأسمالية قياسية بقيمة 320 مليار دولار خلال عام 2025 وحده، بحسب مورجان ستانلي.

استثمارات ضخمة بلا عائد حقيقي: في الوقت ذاته، أنفقت ميتا وأمازون ومايكروسوفت وجوجل وتسلا مجتمعة نحو 560 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على مدار العامين الماضيين، لكن قطاع الذكاء الاصطناعي في هذه الشركات كلها لم يحقق إيرادات سوى 35 مليار دولار. "نشهد حاليا أكبر وأخطر فقاعة شهدها العالم على الإطلاق"، حسبما يرى المحلل جوليان جاران، الذي يؤكد أن سوء توزيع رأس المال الحالي بالولايات المتحدة يجعل هذه الفقاعة أسوأ 17 مرة من أزمة الدوت كوم، وأضخم أربع مرات من أزمة العقارات 2008.

دراما الشركات: تتداخل الصفقات التي تدعم تقييمات الذكاء الاصطناعي بشكل مثير للريبة، فمثلا: استثمرت إنفيديا 100 مليار دولار في أوبن أيه أي لبناء مراكز بيانات باستخدام رقائق الشركة الخاصة، فيما وافقت أوبن أيه أي على الاستحواذ على 10% من شركة أيه إم دي، المنافس الأشرس لإنفيديا. بينما تعد مايكروسوفت — المعتمدة على إنفيديا بشكل كبير لدرجة أنها تمثل 20% من إيراداتها — أكبر مستثمر في أوبن أيه أي، وتستثمر إنفيديا في كورويف، الشركة التي تعتمد في 60% من إيراداتها على أوبن أيه أي.

الثعبان الذي أكل ذيله: تحاكي هذه الدورة التمويل الدائري الذي سبق انهيار الشركات خلال أزمة الدوت كوم، بحسب وصف أحدالمحللين. خلال تلك الأزمة، قدمت شركات الاتصالات مليارات الدولارات كقروض لمشغلي الشبكات، الذين وظفوا بدورهم هذه الأموال في شراء معدات. وفورا، سجل البائعون هذه المبيعات باعتبارها إيرادات، بينما حققت الشركات الناشئة نموا هائلا. مؤخرا، أعلنت شركة أوراكل عن خسارة 100 مليون دولار كل ربع عام، بسبب إيجارات مراكز البيانات الخاصة بها لشركة أوبن أيه أي، ذلك رغم توقيعها اتفاقية بقيمة 300 مليار دولار لمدة خمس سنوات. بحلول العام المالي 2028، من المتوقع أن تخسر أوراكل ما يقرب من 29 مليار دولار من رأس مالها الحر.

الكل يفر إلى الملاذ الآمن: عمدت البنوك المركزية في ظل حالة التخبط الحالية إلى تنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار، مقبلة على الذهب، في خطوة لتقليل الاعتمادية المفرطة على العملة الأمريكية وسط مخاوف من تراجع قيمتها كأصل ثابت، في ظل ارتفاع عجز الدين الأمريكي والضغوط المستمرة التي تهدد استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في عهد ترامب. وحذر بنك إنجلترا من حدوث تصحيح حاد في السوق، مكررا بذلك مخاوف جورجييفا من أن هذا التصحيح الحاد قد يؤدي إلى تراجع في معدلات النمو العالمي، في حال حدوث انكماش ثم ركود.

مخاطر غير مسبوقة: يمثل عمالقة التكنولوجيا السبع (ألفابت وأمازون وميتا وتسلا وأبل ومايكروسوفت وإنفيديا) الآن ما يزيد قليلا عن ثلث مؤشر ستاندرد أند بورز 500 بأكمله، وهو ما يعكس صب جل الرهانات على مستقبل الذكاء الاصطناعي. عندما تنفجر هذه الفقاعة، فإن الجميع سيتضرر. إن كانت الفقاعة المالية تتكون من خمس مراحل، فنحن على الأرجح في المرحلة الثالثة حاليا، حسبما قال خبير استراتيجيات الاستثمار جوست فان ليندرز. فيما يستبعد كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بيير أوليفييه جورينشا، أن يدمر انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي الاقتصاد الأمريكي أو العالمي، لأنه ببساطة لا يمول بالديون، بل تموله شركات التكنولوجيا الثرية.

ذلك لا يعني أن الضرر سهل الاحتواء، فقد تجاوزت استثمارات الذكاء الاصطناعي بالفعل المستوى الذي شهده قطاع الاتصالات في ذروة طفرة الإنترنت كنسبة مئوية من الاقتصاد. وفي النصف الأول من هذا العام، ساهم إنفاق الشركات على الذكاء الاصطناعي في نمو الناتج المحلي الإجمالي بما يفوق إجمالي إنفاق المستهلكين مجمعا.

نموذج الإيرادات الجديد: كل ذلك يعيدنا إلى غزو تشات جي بي تي المرتقب لعالم الإباحية الموجهة للبالغين. ما يقدمه التطبيق الرائد حاليا لا يبرر نهائيا كم الأموال التي تدفقت إليه، بل هو اعتراف ضمني بأن الوعود البراقة التي صدرت عن هذه الشركات من علاجات للسرطان وثورة في مفاهيم الإنتاجية وغيرها لا يمكن أن تتحقق، أو على أقل تقدير حتى الآن. فكيف ترضي هذه الشركات المستثمرين؟ بالطبع من خلال إرضاء المستخدم البالغ المستثار.

الناس يفكرون كقطيع، ويصابون بالجنون سريعا كقطيع أيضا، ثم يستردون عقولهم ببطء فرادى، أو هكذا وصف الأديب الإسكتلندي تشارلز ماكاي السلوك البشري عام 1841. ومع سقوط شركات الذكاء الاصطناعي من نبل علاج الأمراض إلى عبثية البوتات الحميمية، من المتوقع ألا يستعيد المستثمرون وعيهم سوى ببطء شديد، والدليل في المستويات القياسية التي بلغها الذهب. المستثمرون الآن في مهمة للبحث عن ملاذ آمن يحافظ على ثروتهم ضد أي فقاعة وانهيار محتمل.