✨ التحذير كما هو منذ أعوام.. الذكاء الاصطناعي نذير شؤم: يعيش الموظفون اليوم حالة من العزلة والقلق وتآكل المعنى، مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى قوة تعيد تشكيل حياتهم المهنية. يرصد خبراء الصحة النفسية مظاهر تآكل الهوية والانفصال عن الذات، فيما تجف تدريجيا قنوات استقطاب الكفاءات الجديدة. ورغم تصاعد الأدلة على الأثر النفسي المدمر، تواصل المؤسسات سباقها المحموم نحو اعتماد الذكاء الاصطناعي، بل وتضاعف استثماراتها فيه. المسألة ليست أننا نجهل هذه التبعات، بل نعرفها جيدا، ولذا فإن السؤال الحقيقي هو: لماذا نقبل بدفع هذا الثمن؟
الحافز التريليوني: تبدأ الإجابة بأرقام تجعل المخاوف الإنسانية تبدو مسألة هامشية، فقد يؤدي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات الكبرى إلى تحقيق ما يقرب من تريليون دولار من الأرباح السنوية، مع إمكانية زيادة القيم السوقية بعدة تريليونات من الدولارات، أي بارتفاع يتراوح بين الربع إلى الثلث من إجمالي القيمة، بحسب أبحاث مورجان ستانلي. وعلى المدى الطويل، قد تصل التحسينات الاقتصادية إلى عدة تريليونات من الدولارات، وفق تقديرات ماكينزي.
هذه التقديرات ليست مجرد حسابات نظرية، بل تعكس مكاسب تنافسية واقعية ستحدد بوضوح من سيقود السوق ومن سيتراجع إلى الهامش. فمع اتجاه الغالبية العظمى من الشركات إلى زيادة إنفاقها على الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، تتحول المعادلة إلى مسألة وجودية: إما الاستثمار الآن والمخاطرة بسلامة الموظفين النفسية، أو التردد والمخاطرة ببقاء المؤسسة نفسها. ثمة رأي يقول إن الخطر الأكبر على القادة لا يكمن في المبالغة في الطموح بشأن الذكاء الاصطناعي، ولكن في التفكير المحافظ والمحدود. هذا التصور يختصر جوهر التوتر القائم، ففي عالم يقدم فيه تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفه لعبة صفرية، يتحول الثمن الإنساني إلى تكلفة جانبية وليس أزمة تستوجب الحل.
الخوف من فوات الفرصة: لعل أقوى دافع وراء تبني الذكاء الاصطناعي هو الخوف ذاته، فأكثر من ثلث الشركات التي شملها استطلاعحديث تشعر بالقلق من التراجع في سباق الذكاء الاصطناعي، فيما يرى نصفها أن الشركات التي لم تعتمد هذه التقنية قد خسرت بالفعل موقعها أمام المنافسين وصار أمامها فرص أقل في المستقبل. وليس هذا الرأي من باب المبالغة، إذ فاقت الاستثمارات الأمريكية في الذكاء الاصطناعي نظيراتها في بقية أنحاء العالم بعشرة أضعاف خلال العام الماضي. وهكذا أصبحت الرسالة القادمة من المنافسين والمستثمرين والمحللين واحدة لا لبس فيها: إما أن تتبنى هذه التقنية، أو تندثر. يمتد هذا الضغط إلى ما هو أبعد من مجالس الإدارة، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن واحدا من كل ستة موظفين يزعم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمجرد الظهور بمظهر الكفاءة، رغم عدم حاجته الحقيقية إليها.
تكمن جاذبية الذكاء الاصطناعي في كونه قابلا للقياس والملاحظة. فبينما تتسلل الأضرار النفسية ببطء وتبقى ضبابية الملامح، تبدو مكاسب الإنتاجية آنية وموثقة بالأرقام. يصف الموظفون كيف استعادوا ساعات ثمينة من أسبوع عملهم بعد أن أوكلوا المهام الروتينية إلى أنظمة مؤتمتة، فيما تشير فرق خدمة العملاء إلى قفزات رقمية مزدوجة في معدلات الأداء، وهو ما يظهر في التقارير التي تعرض على المساهمين وتنال إعجابهم.
لكن التكلفة البشرية يصعب قياسها: كيف يمكن حساب تآكل المعنى، أو تقدير ثمن تفكك الهوية المهنية؟ الرضا الحقيقي لا يأتي من السرعة أو حجم الإنتاج، بل من الإحساس بأن إسهامك له قيمة وتأثير، بحسب خبيرة الصحة النفسية في بيئة العمل كريستينا مولر. ومن منظور مالي بحت، يبدو العامل المغترب عن ذاته في العمل قصة نجاح ومحط إعجاب إذا زادت إنتاجيته، وليس إنذارا بالخطر. تلك التبعات النفسية لا تظهر في التقارير الفصلية، بينما تقاس الكفاءة بالأرقام، ويصبح الاختيار واضحا وإن كان مأساويا في جوهره.
أسطورة التحول الخاضع للسيطرة: تسعى المؤسسات إلى تبرير قبولها للتكلفة البشرية عبر الترويج لوعود براقة عن تنفيذ مدروس وتحول تشغيلي شامل، إيمانا بأن التقدم التكنولوجي قادر على تعزيز القيمة الإنسانية بدلا من تقويضها، حتى في الوظائف ذات القابلية العالية للأتمتة. غير أن هذه الطمأنة المؤسسية تتهاوى أمام واقع التنفيذ، إذ لا يحقق سوى واحد من كل خمسة مديرين تنفيذيين نموا حقيقيا في الإيرادات نتيجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بينما يقل من يشيرون إلى تحسن فعلي في التكاليف عن ربع العينة، بحسب ماكينزي.
الفارق بين الوعود والأداء يكشف أن المؤسسات لم تعد تختار تحمل الكلفة البشرية عن قناعة، بل لأنها عاجزة عن مقاومة القوى السوقية الأكبر. فهي تقبل ثمن الذكاء الاصطناعي لأن البديل — ضمن بنية السوق الحالية — سيكون مساويا للانتحار المؤسسي. والنتيجة سباق جماعي نحو القاع، يراه الجميع بوضوح لكن لا أحد يملك القدرة على إيقافه، في نظام مبني على تفضيل الكفاءة على الجانب الإنساني، والعوائد الفصلية على الاستدامة الطويلة، والميزة التنافسية على النمو الحقيقي.