? في سوق العمل المعاصرة.. الجميع يريد أن يصبح مديرا: ربطت ثقافة الشركات في وقتنا الحالي مفهوم النجاح بالترقي وتولي مناصب إدارية. فإن كان الموظف موهوبا وطموحا، لا بد أنه سيقود فريقا في النهاية، أما إن كان راضيا بموقعه ضمن الفريق بعيدا عن الألقاب، فسينظر إليه باعتباره يفتقر إلى الطموح والدافع.
البيانات تؤكد أن القادة حاليا ليسوا أكفاء: نحو 60% من المديرين يوصفون بغير الكفاءة من قبل أفراد الفرق التي يشرفون عليها، وذلك بحسب بحث أجرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس. الأكثر من ذلك أنه عندما سؤل الموظفون عن سبب عدم سعادتهم في العمل، تصدر قائمة الأسباب وجودهم مع مدير مباشر سيء. بلغت نسبة المدراء الذين يتلقون تدريبا إداريا مناسبا ورسميا حول العالم 44% فقط، وفق تقرير جالوب لحالة بيئة العمل العالمية خلال 2025. فيما أظهر بحث المعهد المعتمد للإدارة (بي دي إف) أن 82% من مديري المملكة المتحدة تولوا مناصبهم بالصدفة البحتة، وأنهم يفتقرون لأقل أساسيات التدريب.
تكلفة القيادة السيئة: تمتد عواقب القيادة الرديئة إلى ما هو أبعد من مجرد اجتماعات كثيرة بلا هدف. يؤثر سوء الإدارة بشكل مباشر على معنويات الموظفين ومعدلات الاستقالة، إذ أن 58% من الموظفين الذين تركوا وظائفهم بسبب سوء ثقافة الشركة ذكروا الإدارة كعامل رئيسي في هذا القرار، حسبما وجدت دراسة أجرتها جمعية إدارة الموارد البشرية (بي دي إف). كما أن المديرين هم العامل الأكثر تأثيرا في شعور الموظفين بالتحفيز والارتباط بوظائفهم، بحسب تقرير جالوب. الإدارة السيئة تكلفتها المادية باهظة أيضا، إذ تكلف الاقتصاد العالمي خسائر بنحو 438 مليار دولار سنويا.
الفجوة بين طموحات القيادة والواقع في اتساع: هذه الفجوة التي توجد بين طموحات الموظف الساعي إلى تولي منصب قيادي وبين الواقع تأتي بالأساس من سوء حكمنا على أنفسنا كبشر. يحدد علماء النفس التنظيمي أنماطا واضحة تميز القادة الفعالين عن غيرهم، ولذلك لا ينبغي أن ينبع تطلع المرء لأن يصبح مديرا من طموحه الشخصي فحسب، بل من قدرته على مساعدة غيره وتسهيل حياة من يعمل معه. ولأن معرفة ذلك الأمر قد تكون عملية صعبة، فإن مجلة فاست كومباني تقدم إطارا يمكن للموظفين استخدامه لتقييم ذاتهم.
ما هي دوافعك حقا؟ الصدق مع الذات هو مفتاح إجابة هذا السؤال. هل ترغب في تولي منصب إداري لتطوير الآخرين وخلق قيمة ومعنى، أم أن الأمر يتعلق فقط بفرض سيطرتك والحصول على مكانة وصيت معين؟ التطلعات المدفوعة بأنانية صاحبها تخلق بيئة سامة، بينما الطموح الهادف هو ما يبني البيئات الإيجابية ويعززها.
الكفاءة والخبرة هما الأساس: المدير الجيد ليس بالضرورة الأذكى بين أقرانه، بل يكفي أن يحظى باحترام الآخرين من خلال خبراته وتعامله. يمثل التكيف السريع مع المعلومات الجديدة عنصرا مهما أيضا، إذ يتعامل أفضل القادة مع كل خطأ باعتباره درسا وليس نمطا يتكرر، وهم دائما منفتحون على التعلم في كل خطوة.
... والتواصل الجيد كذلك: الشطارة المهنية وحدها لا تكفي إن لم يكن المدير ملما بطبيعة بيئة العمل وبناء العلاقات. 75% من المسارات المهنية تنحرف عن طريقها لأسباب تتعلق بالكفاءات العاطفية، أي عدم القدرة على التعامل مع المشاكل الشخصية وتجاوز النزاعات وبناء فرق فعالة، وفق دراسة معهد القيادة الإبداعية الأمريكي (بي دي إف). هل يستطيع المدير أن يضبط انفعالاته تحت الضغط، أم أنها تؤثر على سير عمله وعلاقته بالآخرين؟ هل يمكنه تحفيز الآخرين حقا؟ هل باستطاعته تقبل الملاحظات والنقد والتغيير بناء عليها؟
إدراك الذات ونواقصها: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه، وتمتع بقدر من النزاهة التي تعني إدراكه جيدا لحدود معرفته وقدراته. من المهم أن يعترف المدير بالأخطاء حال ارتكابها، وأن يحيط نفسه بأشخاص يكملون نقاط ضعفه بمواطن قوتهم. خلاف ذلك، تكون القيادة مجرد فكرة واهية ومضيعة للوقت والجهد.
ماذا لو لم يرغب المرء في أن يصبح مديرا؟ ليس عيبا على الإطلاق. أقر 40% من المشاركين في استطلاع حديث بتدهور صحتهم النفسية بشكل حاد بعد ترقيتهم إلى منصب إداري. فيما أكدت المديرة السابقة بجوجل جيني بليك، أن وظيفتها كانت أكثر تأثيرا ومتعة قبل أن تترقى.
إدراك هذا التفضيل وقبوله لا يعكس قلة الطموح أو ضعف الموهبة، بل يدلل على ذكاء ووعي ذاتي حقيقي. تحتاج المؤسسات في عالمنا اليوم إلى المزيد من الكفاءات الفردية، القادرة على التعمق في المشكلات المعقدة دون أعباء قيادة الآخرين. أما المتخصصون والخبراء الذين يفضلون الإبداع على تولي الأدوار التنظيمية، فقيمة ما يقدمونه أعلى من أولئك العالقين في وظائف تصيبهم بالبؤس.
صعود المسار التقني: يتزايد إدراك الشركات ذات الرؤية المستقبلية هذه الحقيقة، إذ تقدم العديد منها مسارات وظيفية موازية، تسمح للمتخصصين التقنيين في التقدم والترقي دون الحاجة إلى إدارة فريق. ورغم قلة المسؤوليات الإدارية، تحظى هذه المناصب بالاحترام والتقدير المالي الكافي لأهميتها.