تتمتع الشركات الناشئة في مصر بإمكانات هائلة، لكنها لا تزال مقيدة بالعقبات الهيكلية والتنظيمية، وذلك وفقا للتقرير السنوي لقطاعريادة الأعمال لعام 2025 الصادر عن مؤسسة انطلاق. ويقول التقرير: “رغم حيوية منظومة الشركات الناشئة وتنوعها وتوسعها، إلا أنها تعاني من اختناقات هيكلية، وتقلبات اقتصادية كلية، وتفتت في الحوكمة”. ويحث التقرير صانعي السياسات على ترجمة زخم ريادة الأعمال في البلاد إلى نتائج ملموسة من خلال بناء ما أسماه “محركا مستداما للنمو الوطني”.

الإطار المجزأ يلقي بظلاله على المؤسسين: لا يزال مشهد الشركات الناشئة المحلي تقوضه المنظومة “بسبب التداخل المؤسسي والتشرذم التنظيمي، مع عدم وجود سلطة واحدة مخولة لقيادة الاستراتيجية الوطنية للشركات الناشئة”، حسبما جاء في التقرير. وتعمل هيئات حكومية متعددة “في معزل عن بعضها البعض، مما يؤدي إلى تضارب في الاختصاصات وغياب توجيه متماسك”. وأضاف التقرير: “على الرغم من الإصلاحات القانونية، لا يزال تسجيل الشركات الناشئة معقدا وبطيئا، لا سيما خارج القاهرة”، إذ تظهر بيانات المسح أن 68% من الشركات الناشئة لا علم لها بأهليتها بموجب القانون 152، وما يقرب من نصفها غير مسجل لدى جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر. وخلص التقرير إلى أن الإصلاحات التدريجية لن تكون كافية بعد الآن، داعيا إلى تحول مدروس في السياسات يعيد تعريف العلاقة بين الشركات الناشئة والدولة والمجتمع.

إصلاح شامل لعملية التسجيل على رأس القائمة: تبدأ خارطة الطريق قصيرة الأجل التي حددتها مؤسسة انطلاق، بإصلاح عملية التسجيل. “تعاني عملية تسجيل الشركات الناشئة الحالية في مصر من التشرذم المؤسسي، مما يجبر المؤسسين على اتباع إجراءات متكررة عبر الهيئة العامة الاستثمار، وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، والهيئة العامة للرقابة المالية، وهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، والسجل التجاري”. ومع متوسط وقت تسجيل يتراوح بين 18 و 30 يوم عمل، مقارنة بـ 4.5 في الإمارات ويومين في رواندا، فإن النظام “يعيق دخول السوق ويثبط من عملية التأسيس الرسمي”. ويوصي التقرير بإنشاء سجل رقمي مركزي على غرار نظام ” بشير ” في الإمارات، أو “إيريمبو” في رواندا، وهو ما يمكن أن يقلص الجداول الزمنية للتسجيل إلى أقل من سبعة أيام ويساعد في زيادة معدلات إضفاء الطابع الرسمي بنسبة 40%.

لا يزال رأس المال محصورا في القاهرة: يسلط التقرير الضوء أيضا على تركز تمويل رأس المال الجريء في العاصمة، مشيرا إلى أن الشركات الناشئة في مرحلتي التمويل الأولي والتأسيسي في مصر تعاني “من نقص حاد في التمويل، حيث لا يصل إلى هذا القطاع سوى 4% فقط من رأس المال الجريء ، وخاصة في القاهرة”. وتستحوذ العاصمة على نحو 90% من إجمالي التمويل، مما يترك المحافظات الأخرى “تعاني من نقص مزمن في الخدمات”. ومن أجل تصحيح هذا الخلل، تقترح مؤسسة انطلاق إنشاء “صندوق تمويل أولي مستهدف بقيمة 500 مليون جنيه مصري، يُخصص 40% منه لصناديق التمويل متناهي الصغر الإقليمية” كي يسهل “تدفقات رأس المال ويجذب المستثمرين في المراحل المبكرة”. ويمكن للصندوق مساعدة أكثر من 500 شركة ناشئة — نصفها يقع خارج القاهرة — في غضون عام، مما يولد في النهاية 10 آلاف فرصة عمل ويدفع “عجلة نمو منظومة شاملة”.

لا تزال الفجوات في السياسات والبيانات والملكية الفكرية واسعة: برغم التقدم المحرز بموجب القانون 152، يحذر التقرير من استمرار اختناقات الحوكمة، مشيرا إلى أنه “لا يوجد مرصد مركزي للشركات الناشئة أو لوحة معلومات عامة تجمع اتجاهات التمويل، أو التركيبة السكانية للمؤسسين أو نتائج السياسات”. ويؤدي غياب البيانات الموحدة إلى خنق رؤية المستثمرين وصنع السياسات القائمة على الأدلة. ويقترح التقرير إنشاء “مرصد وطني للشركات الناشئة” لـ “جمع بيانات المنظومة ومواءمتها ونشرها آنيا”، مزودا بتحليلات قائمة على الذكاء الاصطناعي ومعايير البيانات المفتوحة بهدف تحويل صنع سياسات الابتكار في مصر من “الاعتماد على القصص إلى الاعتماد على الأدلة”، وفق التقرير. كذلك يدعو التقرير إلى قانون وطني للملكية الفكرية وتسويق الابتكار، إذ إن أقل من 2% من براءات الاختراع المسجلة مرخصة للاستخدام في السوق، ويحث كذلك على إنشاء “مكاتب نقل التكنولوجيا (TTOs) في جميع الجامعات الحكومية”.

المشتريات العامة والتخارج والضرائب: “لا يزال نظام المشتريات العامة في مصر… غير متاح هيكليا للشركات الناشئة بسبب معايير قديمة مثل الأداء السابق والضمانات المالية”. وتتضمن خارطة الطريق التي وضعتها انطلاق “مسارا سريعا للشركات الناشئة” عبر برامج وطنية مثل “حياة كريمة” و “مصر الرقمية” من شأنه “تخصيص 5-10% من العقود للشركات الناشئة المؤهلة”. وفي الوقت نفسه، لا يزال 19 مليون عامل حر ومستقل في مصر غير رسميين إلى حد كبير “بسبب الغموض الضريبي ونقص أدوات المشروعات الصغيرة”. ومن شأن صدور قرار وزاري بموجب قانون ضريبة الدخل أن يدخل “شرائح ضريبية مبسطة ومسطحة (5-10%)”، وأن يمنح أكثر من 100 ألف عامل مستقل الطابع الرسمي في غضون عام.

إصلاحات قانونية على المدى المتوسط: من أجل تجاوز اللوائح المجزأة، يدعو التقرير إلى قانون مخصص للشركات الناشئة على غرار قانون الشركات الناشئة في تونس والقانون رقم 2020-01 في السنغال، الذي من شأنه أن يضفي طابعا مؤسسيا على هوية قانونية واضحة للشركات الناشئة. ويقول التقرير إن هذا “يمكنه إضفاء الطابع الرسمي على أكثر من 15000 مشروع، وتعزيز استثمارات ما قبل التأسيس بنسبة تصل إلى 60%، ويرفع معدل بقاء الشركات الناشئة في مصر إلى أكثر من 35%”. وتتضمن أجندة المدى المتوسط أيضا بيئات اختبار تنظيمية رقمية عبر التكنولوجيا الصحية والتكنولوجيا التعليمية والتكنولوجيا الزراعية، ووحدات للشركات الناشئة في كل محافظة كي توفر “وصولا شاملا إلى التسجيل والاستشارات ومساحات العمل المشتركة ومشاريع المشتريات التجريبية ورسم خرائط البيانات المحلية”.

رؤية طويلة الأجل: وبالنسبة لرؤيتها على المدى الطويل، ترسم مؤسسة انطلاق صورة تُدمج فيها الشركات الناشئة ضمن الاستراتيجية الوطنية. وتوصي بإنشاء ذراع استثماري للشركات الناشئة داخل صندوق مصر السيادي لتوفر “دعما طويل الأجل لرأس المال من خلال التمويل المختلط والاستثمارات المشتركة مع مؤسسات التمويل الإنمائي، ونماذج صناديق الصناديق”. وفيما يتعلق بالمواهب، يرى التقرير أن أكثر من 51% من الشباب يعربون عن “اهتمامهم بتأسيس أعمال تجارية، إلا أن تعليم ريادة الأعمال لا يزال نادرا. إذ يتلقى أقل من 15% من الطلاب أي تدريب منظم في مهارات تكوين الأعمال والابتكار ومهارات الاقتصاد الرقمي”. ويقول التقرير إن دمج ريادة الأعمال في المناهج الوطنية من شأنه أن يزود أكثر من 4 ملايين طالب “بمهارات ريادة الأعمال اللازمة لدعم الموجة القادمة من النمو الشامل التالية في مصر”.

بيت القصيد: يستنتج التقرير أنه “لا يمكن تحقيق المرونة الاقتصادية دون إطلاق العنان لإمكانات العائد الديموغرافي لمصر”، واصفا إدماج الشباب، والمساواة بين الجنسين، والشمول الإقليمي بأنها “ضرورات إنصاف شاملة”.