💼 التوجيه السليم يفقد معناه في زمن الذكاء الاصطناعي: حدث تحول جوهري في الطريقة التي يستقي بها الأفراد التوجيه سواء في المكتب أو في المنزل. فالتقنية التي تحل تدريجيا محل المدراء والخبراء في بيئة العمل، باتت اليوم تؤثر أيضا على طريقة تفكير الأطفال وتعليمهم وحلهم للمشكلات. وإن كنت مديرا لفريق أو مربيا لأطفال، فهناك منافس آخر خفي يتواجد طيلة الوقت، لا ينام، ولا يصدر أحكاما ويملك دائما إجابة جاهزة لكل سؤال.
التمرد الصامت في بيئة العمل: من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الموظفين أن 97% من بين 968 موظفا أمريكيا من مختلف القطاعات اعترفوا أنهم يلجأون إلى تشات جي بي تي طلبا للنصيحة بدلا من مدرائهم المباشرين، فيما أكد 63% منهم أن هذا السلوك ليس عرضيا، بل هو ممارسة معتادة بالنسبة لهم، وفقا لاستطلاع أجرته ريزمي ناو منتصف عام 2025. ويبدو أن ذلك التوجه لا يتعلق بمجرد تبني التكنولوجيا، بل بانهيار الثقة داخل بيئة العمل، بحسب منصة ديجيتال إنفورميشن وورلد.
ما السبب؟ 57% من الموظفين الذين شملهم الاستطلاع يخشون عواقب طرح أسئلة حساسة على المديرين، كما أن 38% منهم يخافون أن يثيروا الشك في كفاءتهم، بينما يرى 70% أن تشات جي بي تي يفهم تحديات عملهم أفضل من رؤسائهم البشر. موطن جاذبية الذكاء الاصطناعي واضح للغاية، فهو يمنح الموظف الخصوصية ويوفر الإجابات دون أحكام وإرشاد دون خطر الظهور بمظهر الضعف. فالأسئلة المطروحة لا تهدد تقييم الأداء السنوي بأي شكل، كما أن الأداة التكنولوجية تجنب الموظف نظرات الارتباك والحرج عند التواصل مع مديره.
حاضر دائما: لم يعد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مقتصرا على طلب النصائح بين الحين والآخر. إذ استخدم 93% من الموظفين تشات جي بي تي للتحضير لمحادثاتهم مع مدرائهم، أي أنهم يتدربون على التفاعل البشري مع الآلة أولا، بحسب الاستطلاع. والأكثر لفتا للنظر أن 49% منهم قالوا إن تشات جي بي تي قدم لهم دعما عاطفيا أكبر من مديريهم خلال فترات الضغط في العمل. ومعظم المشاركين يشعرون بالراحة في التحدث مع المساعد الذكي حول الضغوط المهنية أو آثارها النفسية، ما يعني أن التقنية لا تحل محل الإرشاد المهني فحسب، بل تملأ أيضا الفراغ العاطفي الذي خلفه غياب القيادة أو بعدها عن الموظفين. ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يتفوق لأنه الأفضل، بل لأنه ببساطة يحضر حيثما يغيب الآخرون.
النمط ذاته يتكرر داخل البيوت: بينما يخسر المديرون موقعهم كمرشدين في بيئة العمل، يواجه الآباء معركة موازية. تكون لدى الأطفال اعتماد مشابه على الذكاء الاصطناعي، لكنه أخطر لأنه يتشكل في مرحلة نمو أكثر حساسية. 26% من المراهقين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما استخدموا تشات جي بي تي في إنجاز مهامهم الدراسية خلال 2024، أي ضعف المعدل المسجل قبل عام واحد فقط، وفقا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث. غير أن الإشكال لا يكمن في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في حد ذاتها، بل في طبيعة هذا الاستخدام وتفاصيله، إذ يزداد الاعتماد عليها للقيام بالعمل الذهني الشاق الذي ينمي مهارات التفكير النقدي ويصقل الاستقلالية الفكرية.
ثمن الراحة الذهنية: هل تساءلت يوما عما يحدث لدماغ المرء عند استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات؟ أجرت دراسة أوليةلباحثين منمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تجربة، قسموا من خلالها 54 مشاركا إلى ثلاث مجموعات: الأولى استخدمت بوتات محادثة بالذكاء الاصطناعي، والثانية استعانت بمحرك بحث، والثالثة اعتمدت فقط على معرفتها الذاتية. وجاءت النتائج واضحة، إذ أن نشاط الدماغ وتواصله الداخلي يقل تدريجيا كلما زاد الاعتماد على أدوات خارجية. المجموعة التي اعتمدت على التفكير الذاتي أظهرت أقوى شبكات عصبية وأكثرها تنوعا، تلتها مجموعة محرك البحث، فيما سجلت المجموعة التي استخدمت الذكاء الاصطناعي أضعف درجات الارتباط العصبي.
اكتب لي الآن ودعني أفكر لاحقا: تطلق الباحثة الرئيسية ناتاليا كوزمينا على هذه الظاهرة مصطلح الدين المعرفي (cognitive debt)، في إشارة إلى تأجيل الجهد الذهني الآني بما قد يؤدي تدريجيا إلى تآكل قدرات الإبداع والتفكير النقدي. وتحذر كوزمينا من أن سهولة الاعتماد على هذه الأدوات اليوم لن تمر بلا مقابل، فالثمن سيدفع لاحقا، حين تتراجع قدرتنا على التفكير المستقل والإنتاج الذهني.
تزداد خطورة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي حين يتعلق الأمر بالأطفال الذين لا تزال قدراتهم الإدراكية في مرحلة التكوين. فمن الضروري تقييد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بالنسبة للأطفال الصغار، لأنهم في أمس الحاجة إلى فرص أكثر تمكنهم من التفكير النقدي المستقل والاستقلال الذهني، بحسب أستاذة علم نفس الطفل بلييونجكيم، التي تشير إلى ميل الأطفال الفطري لإضفاء الطابع الإنساني على الآلات، فيكفي أن تبدي هذه الآلات إطراء بسيطا لتحدث أثرا فعليا في سلوك الطفل.
في غياب المهارات الأساسية، لا يمتلك الأطفال القدرة على اكتشاف هلوسات الذكاء الاصطناعي أو أخطائه. فهم يفتقرون إلى الإطار المعرفي الذي يسمح لهم بتمييز اللحظة التي يكون فيها تشات جي بي تي واثقا من معلومة خاطئة، إذ تتكون لديهم في هذه المرحلة المبكرة أنماط التفكير التي تبنى عليها مهارات التحليل والمنطق لاحقا، ولا تزال العواقب بعيدة المدى لهذه الممارسات غير معروفة. من الضروري أن نفهم ما الذي يحدث في أدمغة الأطفال الذين يستخدمون هذه الأدوات في سن صغيرة. لقد رصدت بالفعل حالات مصابة بما يمكن تسميته الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بل وحتى حالات انتحار بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإصابات بنوبات حادة من الاكتئاب، وهي كلها مسائل مثيرة للقلق ومحزنة وخطرة على الأطفال وعلينا، بحسب كوزمينا.
أيها المديرون.. الرسالة واضحة: إن الموظفين لا يستخدمون تشات جي بي تي بدافع النفور من مدرائهم، بل لأن التجربة تبدو لهم أكثر سهولة وسرعة وأمانا. يكشف هذا النمط عن غياب عناصر أساسية في بيئات العمل المعاصرة أهمها: الطمأنينة والأمان النفسي. ولذلك، فإن المديرين الذين يستجيبون لهذا الواقع ويصبحون أكثر حضورا وإنصاتا، سيتمكنون من إعادة بناء جسور الثقة مع موظفيهم. ويجب أن نفهم هنا أن النهج الأكثر فاعلية لا يقوم على التنافس بين الإنسان والتقنية بل على التكامل بينهما، فيتولى الذكاء الاصطناعي بعض المهام التنظيمية، فيما يركز القادة على جوهر عملهم الحقيقي وهو بناء الثقة ودعم الإنسان في الجوانب التي تعجز التكنولوجيا عن الإلمام بها.
أما بالنسبة للآباء، فالتوصيات تتشابه في جوهرها لكنها تتخذ طابعا مختلفا. يشدد الخبراء على أن الأطفال بحاجة إلى ترسيخ المهارات المعرفية الأساسية قبل أن يعتمدوا على أدوات الذكاء الاصطناعي في التعلم أو الإبداع. وتنصح كيم الأهل باتباع نهج بسيط وواضح وهو الحفاظ على تواصل صريح ومستمر مع الأبناء، ومتابعة الأدوات التقنية التي يستخدمونها، بما في ذلك محتوى تفاعلهم مع بوتات الدردشة. ويعد تعليم الأطفال مهارات الوعي بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب الثقافة الرقمية العامة، خطوة أساسية لضمان استخدام آمن للتكنولوجيا.