بعد أسابيع من الاستقرار، شهد الجنيه تقلبا ملحوظا أمس الأحد، إذ اقترب سعر صرف الدولار من 48 جنيها، ليصعد بذلك بنحو 0.51 جنيه خلال تعاملات أمس. وقالت مصادر مصرفية لإنتربرايز إن التقلبات تعكس تحركات السوق الطبيعية وفق آلية العرض والطلب، لا سيما نتيجة لتدفقات الأموال الساخنة الخارجة التي تميل إلى التكثيف مع اقتراب نهاية العام. وأوضح مصدر مصرفي أن سياسة سعر الصرف المرن في مصر تعني أن مثل هذه التقلبات طبيعية ما دامت ضمن الحدود الآمنة.
جاء التحسن الأخير في سيولة الدولار في الأساس من ثلاثة مصادر — تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وارتفاع إيرادات السياحة، والتدفقات المؤقتة للأموال الساخنة، وفق ما قاله الرئيس السابق لبنك التنمية الصناعية ماجد فهمي لإنتربرايز. وأضاف أن هذه العوامل خلقت فائضا في الدولار خفف الضغط على سعر الصرف وسمح للجنيه بالارتفاع قليلا في بعض الأحيان. لكن فهمي أكد أن هذا ليس ناتجا عن إصلاحات هيكلية من شأنها أن تحمل تأثيرا دائما.
تتمثل المحركات الحقيقية والمستدامة لأي صورة من العملة المحلية الأقوى في زيادة الاستثمار والإنتاج والصادرات وإحلال الواردات، بحسب ما أضافه فهمي. وتابع أن السيولة المبنية على الأموال الساخنة غير اعتمادية. كذلك وصف فهمي التقلبات الحالية في سعر الصرف بأنها مؤقتة، مشيرا إلى إن التحركات الأخيرة لا تمثل اتجاها مستقرا أو دائما. وأوضح الرئيس السابق لبنك التنمية الصناعية أن السبب وراء ندرة انخفاض الأسعار نتيجة انخفاض الدولار يتمثل في النهج الذي يتبعه المستوردون والتجار — فهؤلاء يرفعون الأسعار على الفور عندما يرتفع سعر الصرف، لكنهم يترددون في خفضها عند انخفاضه، لأنهم لا يكون بمقدورهم الاعتماد على التحركات قصيرة الأجل في سعر الصرف لتخطيط الواردات المستقبلية أو فتح اعتمادات مستندية جديدة.
قال رئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس هاني جنينة إن التقلبات الأخيرة هي رد فعل طبيعي تماما للتطورات في الأسواق الأمريكية. وأشار إلى أن يوم الجمعة شهد انخفاضات حادة في الأصول عالية المخاطر — إذ انخفضت الأسهم الأمريكية بنحو 900 نقطة، وتراجعت العملات المشفرة بنسبة 20-40%، وهبطت أسعار النفط بنسبة 3-4% — وهو ما أدى على الأرجح إلى تدفقات خارجة من الأسواق الناشئة، بما في ذلك مصر. وأوضح أن هذا لا يعكس أي شعور سلبي تجاه مصر، بل هو إعادة توازن طبيعية للسوق. وأضاف أن الاضطراب نشأ في الأسواق العالمية وتردد صداه في مصر. ويعتقد جنينة أن سعر الدولار عند حوالي 46-47 جنيها لا يزال معقولا في الوقت الحالي، ويمكن أن يتجه نحو مستوى 45 جنيها إذا انتعشت إيرادات قناة السويس في عام 2026.
عكست أسعار الذهب المحلية التحركات المشهودة في سعر الدولار. فقد قفز سعر الذهب محليا بنسبة 3.5% الأسبوع الماضي، بما يتماشى مع زيادة عالمية بنسبة 3.4%، مسجلا ثامن مكاسبه الأسبوعية على التوالي. وقال رئيس منصة “آي صاغة” لتداول الذهب سعيد إمبابي إن كل زيادة قدرها 10 قروش في سعر الدولار تضيف ما بين 9 و11 جنيها إلى أسعار الذهب. ومع اقتراب الدولار مرة أخرى من مستوى 48 جنيها، فمن المرجح أن ترتفع أسعار الذهب المحلية مجددا، مدعومة بالزخم العالمي القوي وتجدد نشاط الشراء.
وأضاف فهمي أنه في حين أن الذهب والدولار يتحركان عادة في اتجاهين متعاكسين على مستوى العالم، فإنهما يميلان في مصر إلى الارتفاع معا. ونظرا إلى أن الذهب يُسعر بالدولار، فإن أي زيادة في سعر الصرف تدفع أسعار الذهب المحلية إلى الارتفاع. وفي أوقات تقلب العملة، يميل المستثمرون أيضا إلى التحرك نحو الذهب بصفته ملاذا آمنا، مما يضخم مكاسب الأسعار.
التطورات العالمية ترفع الضغوط: صرح مصدر لإنتربرايز بأن قوة الدولار تكون مدعومة أيضا بالتطورات العالمية، لا سيما التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين. وأضاف المصدر أن تهديد الصين الأخير باتخاذ إجراءات مضادة ضد السياسات التجارية الأمريكية الجديدة أثار مخاوف من التضخم، وهو ما قد يجعل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أكثر ترددا في خفض أسعار الفائدة. ونتيجة لذلك، قد يظل الدولار قويا على المدى القصير.
لا تزال الأموال الساخنة تقود السوق: قال فهمي إن التقلبات الأخيرة نجمت على الأرجح عن تغيرات في تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل أو التزامات خارجية مثل سداد الديون. وأوضح أن التقلب الأخير يمكن أن ينعكس بسهولة في غضون يوم واحد، لأن مثل هذه التحركات لا تعكس بعد اتجاها مستداما. وحذر من أن استمرار الاعتماد على الأموال الساخنة محفوف بالمخاطر، وأن مصر لا تزال عرضة للتدفقات الخارجة المفاجئة، كما حدث في السنوات السابقة.
وعلى صعيد أسواق الدين، طرح البنك المركزي المصري عطاءات لأذون خزانة بقيمة 116.6 مليار جنيه، بآجال ستة أشهر وعام.
بالأرقام- دفعت الزيادة في الطلب على الدولار حجم المعاملات الدولارية في الإنتربنك أمس إلى 458 مليون دولار، وهو ما يتجاوز المتوسط اليومي المعتاد البالغ 150-200 مليون دولار، وفقا لموقع العربية.