? عند دخول المكتب، اترك شخصيتك الحقيقية عند الباب: لطالما اعتقدنا أن الأصالة والوضوح هما الطريق الأمثل للنجاح والإنجاز. لكن عندما يتعلق الأمر ببيئة العمل، فإنه ومع الأسف، يصبح هذا الاعتقاد نسبيا للغاية. المكتب ساحة هشة يختبر فيها المرء إدراكه لذاته بعيون الآخرين. في المكتب، يؤثر رأي الآخرين على نجاح الفرد بشكل حقيقي ومباشر. كشف بحث أجراه أستاذ علم نفس الأعمال توماس تشامورو بريموزيك في جامعة كولومبيا، عن حقيقة قبيحة: أن تكون واضحا وحقيقيا هو أمر لا يؤثر كثيرا على مدى كفاءتك أو جدارتك بالثقة في أعين زملائك بالعمل، بل في واقع الأمر، قد يضرك ذلك أكثر مما ينفعك.

زمن انهيار الحدود: أثارت موجة العودة إلى العمل من المكاتب الجدل حول الخط الفاصل بين شخصية الفرد داخل المكتب وحقيقة نفسه ومن يكون. وقد إزداد هذا الجدل تعقيدا مع اختفاء الحدود الفاصلة بين حياة العمل والحياة الشخصية، والفضل بالطبع يعود لوسائل التواصل الاجتماعي ونماذج العمل عن بعد، التي منحت زملاء العمل نافذة على عالم آخر أكثر خصوصية من ستوريز إنستجرام خلال العطلة العائلية، وصولا إلى خلفية زووم التي تعكس قدرا من تفاصيل المنزل من الداخل. مع هذا الواقع الجديد يصبح من الصعب الحفاظ على الجدار الفاصل بين الحياة الخاصة والعامة. ولكن الأبحاث تشدد على أن وضع حدود ليس مفيدا فحسب، بل هو ضروري لفعالية مكان العمل.

جيل زد محور الحديث: تشكل هذه المسألة تحديا كبيرا للأجيال الجديدة من الموظفين، خاصة جيل زد، الذي يستهل مسيرته المهنية عبر تحديات غير مسبوقة. عاش جيل زد أغلب حياته واضحا وعلى حقيقته، لا سيما عبر السوشيال ميديا، وها هم الآن يدخلون عالم الحياة المهنية حيث يقوض تعبيرهم المنفتح عن الذات من فرص نجاحهم. يتعرض جيل زد لسلسلة من أصعب اتجاهات العمل، والتي تدفع المديرين إلى التساؤل عما إن كان هذا الجيل جادا بما يكفي لخوض غمار الحياة المهنية، في الوقت الذي تزداد فيه الفجوة بين توقعات الجيل الجديد عن مكان العمل ومتطلبات أصحاب الشركات.

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟ حقيقة المرء الكاملة الصادقة لا ينبغي أن تنتمي أو تظهر في المكتب. فالأمر لا يقتصر على المخاوف بشأن معايير العمل الاحترافية فحسب، بل يشمل أيضا السلامة النفسية، فالمكتب عادة لا يمثل مساحة آمنة للتعبير عن الرأي والمخاطرة دون الخوف من الشعور بالإحراج أو الرفض أو التعرض للعقاب والمساءلة. فمثلا، تعبير المدير عن ذاته بشكل غير مقيد، قد يدمر البيئة التي يفترض أن يدعمها، حسبما يوضح بريموزيك وإيمي إدموندسون، الباحثة في القيادة والعمل الجماعي والتعلم التنظيمي.

وكيف ذلك؟ المدير الذي يعبر بلا حدود عن كل شعور ينتابه بالإحباط أو الضيق أو حتى الفرح الغامر، قد يخلق مناخا متقلبا، يفرغ كل شعور من معناه، فيصبح الهم الأكبر لدى موظفيه هو عدم إثارة حفيظته بأي شكل بدلا من التركيز على العمل. وكذلك فإن التعبير عن التحيزات بحجة الصراحة المفرطة يقوض الثقة ويشعر بعض الموظفين بعدم الأمان، إذ قد تتحول الصراحة الصارخة إلى فعل مهين يهدد الآخرين. هؤلاء المدراء الذين يمنحون الأولوية لاحتياجاتهم وسماتهم وقيمهم الخاصة على الفريق ككل، لديهم خلط في المفاهيم بين تمكين الآخرين وإلهامهم والتعامل بلا حدود بشكل غير احترافي.

بالأدلة البحثية: الموظف الذي يتمكن من الحفاظ على شخصية مهنية بانطباعات محددة أمام الآخرين، يتسم بفاعلية قيادية أكبر فيما يتعلق بإدارة المهام وبناء العلاقات، حسبما أشارت دراسة معمقة تضمنت تحليلا لـ 55 دراسة وبحث سابق. معنى ذلك أن التكيف مع مختلف أنماط الموظفين وشتى ظروف العمل هو صفة فعالة ومجدية أكثر من الالتزام الثابت بمجموعة من القواعد والقيم الشخصية التي يشعر المرء بضرورة التعبير عنها في أي سياق.

ليست دعوة للكذب أو الادعاء، بل محاولة للتفكير باستراتيجية: أن يكون المرء على سجيته هو بالطبع شعور رائع، ولكن فرصة الموظف في الترقي ليكون مديرا مؤثرا ستكون أعلى إن ركز على تعديل سلوكه بما يتطلبه الموقف والسياق المحيط من بشر وظروف، حسبما قال بريموزيك، الذي يوضح أن الأدلة العلمية في هذا الصدد مبهرة، فالميل إلى الانخراط في سلوكيات اجتماعية وأخلاقية ترتبط عكسيا بالأصالة والوضوح. كما تظهر الدراسة التحليلية أن أفضل مؤشرات النزاهة هي اللطف والضمير، وهما صفتان تتضمنان كبت الميول السلبية والتصرف بطريقة تراعي الآخرين، بحسب فورتشن.

عبر عن أفضل نسخة من ذاتك: الهدف لا يتمثل في قمع الفردية، بل توجيهها بشكل منتج. فرق العمل الصحية تلهم أعضائها من الموظفين على إظهار أفضل ما لديهم من جوانب تتسم بالفضول الخلاق والنقد البناء والالتزام بالتعلم والتمتع بضمير حي. يمكن للمرء بسهولة أن يكون صادقا وحقيقيا في مكان العمل بنسخة أفضل من ذاته، لأنها ببساطة تكون جزءا من شخصيته. هذا يعني تطوير ما يطلق عليه الوعي الذاتي الاستراتيجي ضمن اختبار تقييم هوجان الشهير. هذا الوعي يعني ببساطة إدراك نقاط القوة والضعف، وفهم الكيفية التي ينظر بها الآخرون إلى الفرد، وكيف يريد أن ينظروا إليه كمدير في نهاية الأمر.